حكايات زهره ٣

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

* “ازيك يا نوال.. عاملة ايه.. وأخبار العيال إيه؟”
وقفت خلف مكتبي بثبات مطلق، لم تتحرك فيني شعرة شفقة واحدة، لكنني لم أهنه ولم أصرخ في وجهه. نظرت إليه ببرود قاتل، ورددت بصوت هادئ وحاسم:
* “أنا وأولادي في أفضل حال يا كمال.. والحمد لله ربنا عوضنا بكل خير، وبقينا في عزة وستر وراحة بال مكنش نمتلكها واحنا معاك. جاي هنا ليه؟ خلصت الفلوس ولا العزوة سابتك؟”

ابتسم بابتسامة صفراء مكسورة، ونزل على ركبتيه أمام الدكان وسط المارة الذين وقفوا يشاهدون المشهد بذهول، وقال بصوت يتوسل الرحمة:
* “جاي أطلب منك السماح يا نوال.. جاي أقولك إني دُقت مرارة الظلم، وإني خسرت كل حاجة.. بيتي اهد، وأمي بتموت، وأنا بقيت شحات في الشارع.. سامحيني.. ارجعيلي.. العيال محتاجين أبوهم، وأنا مستعد أكون خدام تحت رجليكي، بس سامحيني!”

نظرت إليه باحتقار صامت، وتذكرت تلك الليلة القاسية التي دفعني فيها بقوة على الأرض، وقال لي بكل قسوة: *”ولو قدرتي تثبتي إنك أديتني حاجة هابقى ارجعهالك يا حلوة!”*.تقدمت نحوه ببطء، ووقفت أمامه مباشرة، ونظرت في عينيه المليئتين بالندم، وقلت بصوت صارم يقطع الصمت:
* “يوم ما بعت دهبي ودكانة أبويا عشانك، كنت فاكرة إنك راجل تستهل التضحية.

يوم ما طردتني عشان تتجوز عليا في شقتي، افتكرت إنك قدرت تكسرني نهائي. لكنك كنت جاهل.. جاهل بقوة الست المصرية لما تنغدر في كرامتها وعرقها. اللي زيك مش بيتعلم بالكلمة، بيتعلم بالقرصات القوية من الزمن”.

أشرت بيدي نحو الشارع، وكملت بصوت حاسم:

* “امشي يا كمال.. روح لبيتك اللي خربته بإيدك، واطلب السماح من رب العالمين، أما أنا وأولادي، فصفحتك اتطوت من حياتنا للأبد، وما بيننا وبينه غير المحاكم وقانون النفقة والشرع. ولا تفكر يوم إن نوال القديمة ممكن ترجع.. نوال اللي قدامك دي ماتت من زمان، وولدت من جدي امرأة لا تقهر أبداً!”

استدار كمال ببطء، وانهار في البكاء كالطفل الصغير، وابتعد بخطوات مكسورة ذليلة يجر خلفه ذيول الخيبة والندم الأبدي، بينما عدت أنا إلى مكتبي، رفعت رأسي عالياً، ونظرت من نافذة الدكان إلى السماء الصافية، وشكرت ربي ألف مرة على نعمة القوة، والكرامة، والعوض الجميل الذي لا يقدر بثمن.

أغلقت الدكان في نهاية اليوم، وخرجت مع طفليَّ نضحك ونسير في شوارع المنطقة التي باتت تعرف تماماً من هي “صاحبة الإمبراطورية”.. امرأة لم تكتفِ باسترداد حقها، بل صنعت من رماد قهرها تاجا من المجد والحرية لا ينطفئ أبداً.

## الجزء السادس: حصاد السنوات ومملكة الصبر

مرت السنوات، ولم تعد “دكانة الأمل” مجرد مشروع تجاري في الحي، بل تحولت إلى مؤسسة صغيرة متكاملة وواجهة لكل سيدة طموحة ترغب في إثبات ذاتها وبناء مستقبلها من الصفر. بفضل الله، ثم بفضل التخطيط السليم والإدارة الصارمة، افتتحت فرعاً ثانياً للمكتبة ودار النشر في حي راقٍ، وأصبح اسمي يلمع في المحافل الثقافية المحلية كواحدة من العصاميات اللاتي قاومن رياح الظلم والخذلان حتى صنعن لأنفسهن مجداً حقيقياً.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
669مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق