حكايات زهره 3
## الجزء الخامس: إمبراطورية “نوال” وجبروت السنين
لم يكن نجاح “دكانة الأمل” مجرد صدفة عابرة أو ومضة مؤقتة، بل كان بداية لزلزال حقيقي في حياتي وفي محيط المنطقة كلها. الشهور الأولى للمشروع مرت كأنها سنوات من العمل الشاق والسهر والتخطيط الدقيق. كنت أستيقظ مع أذان الفجر، أصلي وأدعي الله أن يبارك لي في خطوتي، ثم أجهز أولادي للمدرسة، وأطير بخطوات ثابتة نحو دكاني الجديد.
أصبحت معروفة في السوق كله ليس فقط كامرأة استردت حقها بطريقة أبهرت الجميع، بل سيدة أعمال مستقلة، صلبة، لا تعرف المستحيل. المحل الذي بدأ بركن صغير للكتب والمستلزمات الأدبية، تطور خلال أقل من عام ليتحول إلى مركز ثقافي مصغر ومكتبة متكاملة لخدمة الكاتبات، الطالبات، والباحثات عن النشر. أنشأت قسمًا خاصًا بالتنسيق الرقمي، وإدارة الصفحات والمجموعات عبر الإنترنت للفتيات اللاتي يرغبن في نشر أعمالهن الأدبية ورواياتهن عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو المجال الذي وجلت فيه شغفًا كبيرًا وموهبة حقيقية في إدارة وتسويق المحتوى.
كنت أجلس خلف مكتبي الخشبي الأنيق في منتصف الدكان، وأمامي حاسوبي المحمول، أدير تعاقدات طباعة الروايات الصغيرة، وأشرف على تصميم الأغلفة واللافتات الرقمية للكاتبات الشابات اللاتي وجدن في مكتبي الملاذ الآمن والدعم الحقيقي الذي افتقدنه في بيوتهم. اسم “نوال” لم يعد مرتبطاً بامرأة مكسورة الجناح تبكي على أطلال دهبها ودكانتها الضائعة، بل أصبح اسماً يتردد باحترام وهيبة في كل شوارع الحي.
وفي المقابل، كان العالم الآخر في بيت العيلة يتهاوي ببطء شديد وبشكل مأساوي.
كانت الأخبار تصلني تباعاً من الجيران والمعارف دون أن أطلبها أو أهتم بسماعها؛ فبعد الفضيحة الكبرى وطرد العروس وأهلها في ليلة الزفاف، دخل كمال في دوامة سوداء من الاكتئاب والعزلة. خسر عمله الأساسي بسبب تشتت ذهنه وكثرة مشاكله القانونية والنفسية، وتراكمت عليه الديون والالتزامات بعد أن دفع لي كل مليم كان يملكه تعويضاً عن الدكانة والذهب والشقة.
أما حماتي، التي كانت تملأ بيت العيلة صراخاً وسخرية وغروراً، فقد أقعتها الصدمة والكسرة في الفراش، وتحولت إلى عجوز مريضة لا تملك من أمرها شيئاً، يزورها النسيان وتتجاهلها العيون. وأخت جوزي التي كانت تضحك بسخرية يوم زفاف أخيها، أصبحت عانسة في بيت العيلة، تلاحقها نظرات الشفقة والشماتة من نساء المنطقة اللاتي لم ينسين قط جبروتهم وظلمهم لامرأة مسكينة ظنوا أنها ضعيفة لا تقوى على شيء.
في أحد الأيام، وبينما كنت منشغلة بترتيب رفوف الكتب الجديدة في دكاني، دخل شخص لم أتوقع رؤيته قط بعد كل هذه السنوات.
رأيت ظلاً يقف طويلاً عند مدخل الباب، فرفعته عيني ببطء لأراه.. إنه كمال!
لم يكن ذلك الرجل المغرور، متبختر الخطوات، صاحب النظرات الاستعلاءية التي كانت تقتلني قديماً. كان شبحاً لرجل عجزت السنين عن رحمته؛ شعره ملؤه الشيب، وجهه شاحب تحفره التجاعيد العميقة، وظهرُه منحني وكأنه يحمل على كتفيه أثقال الأرض كلها. وقف يرتجف قليلاً، وعيناه ممتلئتان بالدموع والانكسار، ونظر إليَّ بصوت خافت مرتعش:
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.