بصيت ناحية الصالة لقيت محمود قاعد على الكنبة بيحاول يعدل رجله المكسورة بوجع، والعكازين جنبه على الأرض. عيونه كانت حمرا من التفكير والقهر. قربت منه وأنا بترعش، مش عارفة أبدأ منين، ولا أقوله إيه عن اتصال أمه المريب. شافني بالمنظر ده فقال بقلق وهو بيمد إيده يمسك إيدي: مالك يا نجلاء؟
وشك أصفر كده ليه؟ أمي قالت لك إيه تاني؟ هو النقص والقلة الأدب وصلوا بيهم لحد إيه؟ قعدت جنبه ونزل دمعي غصب عني، وحكيت له كل اللي قالته أمه بالحرف الواحد، وإزاي اتخضت أول ما عرفت إن خالي عبد الرحمن نازل مصر بكرة، والجملة اللي رعبتني عن السر اللي مخبيينه عننا من سنين. محمود عقد حواجبه بتفكير عميق، وملامح وجهه اتغيرت من الغضب للحيرة وقال بصوت خشن: سر؟!
سر إيه اللي أمي وريهام مخبيينه عننا من سنين؟ وعلاقة خالك عبد الرحمن بالموضوع ده إيه؟ خالك مسافر من سنين طويلة، وققبل ما يسافر كانت علاقته بأمي وأهلي مش على ما يرام، بس مكنتش أعرف إن فيه ماضي ما بينا وبينهم بالشكل ده. قبل ما نكمل كلامنا، تليفون محمود رن وكان شاشته منورة برقم غريب دولي. رد بسرعة وفتحنا سبيكر عشان أسمع معاه.
صوت خالي الحاج عبد الرحمن جه قوي وواضح ومتروس حماس وجدية: أزيك يا محمود يا ابن أختي، عامل إيه في رجلك؟ معلش يا بني، أنا عرفت اللي عملته أختك في مراتك، وعرفت جحود أمك، بس ارتاح واطمن.. كرامة نجلاء من كرامتك، واللي حصل ده كله هيكون تراب قدام المفاجأة اللي شايلها لك في جعبتي. أنا طيارتي بتقلع كمان كام ساعة، وبكرة الصبح الساعة تسعة أكون عندك في الشقة..
أوعى تخرج ولا تروح في حتة، واقفل تليفونك في وش أي حد من ناحية أمك، فاهم؟ محمود بصلي بدهشة ورد على خاله: يا خالي فهمنا في إيه؟ أمي لسه متصلة بنجلاء ومرعوبة من نزولك وبتقول فيه سر مخبيينه عننا من سنين، وعايزاني متقشعش معاك قبل ما هي تقابلنا! خالي عبد الرحمن سكت لحظات طويلة، وبعدين صوت تنهيدته طلعت عميقة ومحملة بغضب قديم، وقال بصوت حاسم: أمك مرعوبة؟
طبيعي ترتعب! لأنها عارفة كويس قوي إن السر اللي مخبياه هو اللي سرق منكم حقوقكم، ودي اللحظة اللي الحق هيطلع فيها للنور مهما طال الزمن.. اسمع كلامي يا محمود، متفتحش الباب لبشر بكرة غيري، وسيب الباقي عليا. وقفل خالي التليفون. قعدنا أنا ومحمود طول الليل لا عارفين ننام ولا جفننا يغفل. الأفكار بتاكل في دماغنا، وكل شوية نقول: يا ترى إيه هو السر؟
هل أبوه الله يرحمه كان ساب تركة وأمه استولت عليها؟ ولا إيه الحكاية؟ وريهام وفرحها اللي بعد شهر بقوا في حتة تانية خالص من التفكير. تاني يوم الصبح، الساعة جت ثمانية ونص، والتوتر في الشقة كان يقطع السكين. محمود كان قاعد على الكنبة وجايب عكازينه جنبه، وأنا رايحة جاية في الصالة بفرك في إيدي من كتر القلق. وفجأة.. خبطات قوية ومستعجلة على باب الشقة!
جريت على الباب وبصيت من العين السحرية، لقيتها حماتي واقفة بره ومعاها ريهام وبيلفوا يمين وشمال كأنهم خايفين حد يشوفهم، وبيخبطوا بجنون وبيقولوا بصوت واطي بس عالي بما يكفي نسمعه: يا محمود افتح يا ابني! نجلاء افتحي والنبي، افتحوا قبل ما عبد الرحمن وصل.. اسمعونا دقيقة واحدة والله ما هندخل الفرح ولا هنجيب سيرة الكرامة دي تاني، بس افتحوا بالله عليكم!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.