وقتها محمود طلب مني إننا ناخدها تعيش معانا فترة مؤقتة. قالي إنها كام شهر بس، لحد ما تتعود على حياتها الجديدة وتبقى قادرة تدبر أمورها. وافقت من غير تردد. دي أمه، وفي مقام أمي، وكنت شايفة إن واجبنا نقف جنبها بعد وفاة جوزها. لكن الكام شهر بقوا تلات سنين. ومع الوقت، اكتشفت إن اللي كنت فاكرة إنه هيبقى مساعدة بسيطة ومؤقتة، اتحول لمسؤولية كاملة فوق دماغي.
محمود كان بيدفع قسط عربيته، واشتراك الإنترنت، وجزء من فاتورة الكهربا. أما حماتي، فكانت دايمًا تقول إنها بتصرف على نفسها من المعاش بتاعها، وإنها مش حمل على حد. لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا. أنا اللي كنت بجيب طلبات البيت كل أسبوع. أنا اللي كنت بشتري المنظفات والصابون ومساحيق الغسيل وأكياس الزبالة.
أنا اللي كنت بدفع فاتورة المية، ومصاريف صيانة العمارة، والتاكسي اللي حماتي بتركبه عشان تروح للدكتور أو جلسات العلاج الطبيعي. وكنت كمان بشارك في تمن أدويتها، وبصلح الحاجات اللي بتبوظ في البيت، من اللمبات المحروقة لحد الحنفيات اللي بتسرب مية. كل حاجة صغيرة لوحدها كانت بتبان مبلغ بسيط، لكن لما تجمعهم في آخر الشهر، تكتشف إن نص مرتبك تقريبًا رايح على حاجات محدش حتى بيفكر يسألك إذا كنتِ قادرة تدفعيها ولا لأ.
وفوق ده كله، كنت بشتغل في المستشفى، ولما أرجع البيت، أطبخ وأنضف وأرتب. وفي أيام كتير، كنت ببدل مواعيد شغلي عشان أوصل حماتي لجلسات العلاج الطبيعي، حتى لو ده معناه إني أرجع البيت متأخرة وأضطر أعوض ساعات شغلي بعدين. لكن الغريب إن البيت ده كان ليه قوانين مختلفة حسب مين اللي موجود فيه. لو محمود حاسس بالبرد، الدفاية تفتح فورًا. ولو حماتي بردانة، تفضل تشتكي لحد ما حد يقوم يظبط لها كل حاجة.
أما أنا، فلو رجعت من شغلي في عز الشتا، أسمع نفس الجملة: ـ البسي بلوفر زيادة يا بنتي، بدل ما تشغلي الدفاية على الفاضي. محمود كان دايمًا بياخد أكبر نصيب من الأكل. وحماتي كانت أول واحدة تختار القطعة اللي تعجبها. وأنا كنت باكل اللي يتبقى. ولما كنت أعترض، حماتي تقول: ـ إنتِ أصلًا أكلك قليل، وبعدين إنتِ محتاجة تخسي شوية بطنك كرشت .
بلاش الأكل الكتير ده. ومحمود يضحك ويقول: ـ أهو كلام أمي صح، خليكي خفيفة كده أحسن! كنت ببتسم بالعافية عشان ما تحصلش خناقة جديدة. وكنت كل مرة أقول لنفسي إنهم أهلي، وإن العشرة محتاجة صبر، وإن الأيام الصعبة هتعدي. لكن اللي حصل الليلة دي كان آخر حاجة كنت مستعدة أستحملها. بصيت لمحمود مرة تانية وسألته: ـ يعني إنت شايف إن أمي اللي بتقولي كده عندها حق؟
وإن مرتبي مش من حقي أستفيد بيه وأعيش زي أي بني آدمة؟ رد بضيق: ـ يا ستي، هو إنتِ هتفضلي ماسكة في الموضوع؟ أمي قالتلك سخني مية، سخني مية وخلاص. إيه المشكلة؟ هزيت راسي ببطء. وبعدين بصيت لحماتي وابتسمت. ماكانتش ابتسامة حزن ولا ضعف. كانت ابتسامة هادية بشكل غريب، حتى أنا نفسي استغربتها. وقلتلها: ـ عندك حق يا ماما سعاد. رفعت حاجبها باستغراب. ـ عندي حق في إيه؟
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.