وبعدها فعلًا، الموضوع بدأ يتغير من غير ما أحسسه إني مخططة لأي حاجة. بقى ييجي عندي كل يوم تقريبًا وقت الغدا، وفي الأول كان بيدخل عشان يشوف الولاد ويأكل ويمشي، لكن مع الوقت بقى هو نفسه يسألني قبل ما ييجي. مرة كلمني من الشغل وقال: ـ عاملة أكل إيه النهارده؟ ضحكت وقلت له: ـ ليه؟ نفسك في إيه؟ قال وهو بيضحك: ـ أي حاجة من إيدك. ومن يومها بدأت أغير طريقتي معاه أكتر.
بقي لما يدخل أقول له: ـ تعالى يا حبيبي، الأكل جاهز. وأحط له طبقه بإيدي، وأسأله: ـ تحب أحطلك شوية كمان؟ ولو قال إنه شبع، أقوله: ـ لا، كل كويس، إنت من الصبح في الشغل. كنت بدلع عليه بالكلام اللي بطلت أقوله من سنين، مش عشان كنت نسيت اللي عمله، بالعكس… أنا كنت فاكرة كل حاجة.
بس كنت عارفة إن هدفي محتاج نفس طويل. هو كان بييجي عندي يتغدى، وبعدها يقوم يروح لمراته الجديدة، وأنا كنت بضغط على نفسي وأمثل إن ده شيء عادي جدًا. ما كنتش بسأله رايح فين. ولا كنت أقول له: هتروح لها؟ ولا حتى كنت بلمح بكلمة واحدة تضايقه. كنت أقول له: ـ روح ارتاح، أكيد مراتك مستنياك. وأبتسم. والجملة دي بالذات كانت بتخليه يسكت ثواني قبل ما يرد. ومع الوقت، بدأت أخد بالي من حاجة أهم.
هو نفسه بقى مستني الوقت اللي يقضيه عندي. لو خلص شغله بدري، بدل ما يروح على طول، كان يعدي عليّ. ولو اتأخر يوم وما جاش، كان تاني يوم يسألني: ـ إنتِ زعلانة مني؟ وأنا كنت أضحك وأقول: ـ أزعل منك ليه؟ إنت حر. وبدأت بعدها مرحلة جديدة. اهتميت بنفسي. رحت للكوافير، واهتميت بشعري وبشرتي، واشتريت كام طقم بيت جديد وشكلهم حلو، وبدأت أهتم إني حتى وأنا في البيت أبقى مرتبة وشكلي حلو.
ولما كان يشوفني كان بيبص لي نظرة مختلفة. مرة دخل وأنا خارجة من المطبخ، وقف مكانه ثواني وقال: ـ إنتِ اتغيرتي بصيت له باستغراب متعمد: ـ اتغيرت إزاي ؟ ـ مش عارف… بس شكلك حلو. ضحكت وقلت: ـ الحمد لله، يعني أخيرًا خدت بالك؟ هز راسه وسكت. ومن اليوم ده بدأت مكالماته تزيد. في الأول كان بيتصل مرة من الشغل عشان يسأل على الولاد. وبعدها بقى يتصل مرة تانية: ـ بتعملي إيه؟ أقوله: ـ بعمل الغدا.
ـ عاملة إيه؟ أقول له: ـ لسه هخلص وأقولك. وبعدها بأيام بقى الاتصال عادة. مرة قبل الظهر، ومرة بعده. وأحيانًا يتصل لمجرد إنه عايز يسمع صوتي. وأنا كنت مستنية اللحظة اللي أغير فيها المعادلة. لأن طول الوقت ده أنا اللي كنت متاحة. هو اتعود إن مهما اتصل بيا هيرد. ومهما جه هيلاقيني موجودة. ومهما سألني هقوله أنا بعمل إيه. فجأة… بطلت أرد.
أول مكالمة منه سيبتها ترن. والتانية ما رديتش. والتالتة كمان. وبعدها بعت رسالة: ـ إنتِ فين؟ ما رديتش. بعد شوية اتصل تاني. وبرضه ما رديتش اليوم ده رجع من الشغل عندي بنفسه. فتح الباب ودخل وهو بيبص لي باستغراب: ـ إنتِ كنتِ فين؟ رفعت عيني من اللي في إيدي وقلت بكل هدوء: ـ كنت مشغولة. ـ مشغولة في إيه؟ ـ في حاجات كتير. بص لي شوية وقال: ـ طب ما ترديش على التليفون ليه؟
ضحكت وقلت: ـ ما سمعتوش. بص للموبايل اللي كان قدامي على الترابيزة، وكان واضح جدًا إني شايفاه. سكت. وبعدين قال: ـ أنا اتصلت بيكي كذا مرة. قلت وأنا رايحة ناحية المطبخ: ـ معلش يا حبيبي، كنت بعمل الأكل. وقف مكانه للحظة. يمكن لأنه لأول مرة يسمع مني كلمة “يا حبيبي” وفي نفس الوقت يحس إني مش مستنياه.
وأنا من جوايا كنت عارفة إن دي كانت أول مرة هو اللي يسأل نفسه: هو أنا ليه بقيت مستني مكالمتها؟ وليه اتضايقت إنها ما ردتش؟ وليه بقى يفرق معايا أعرف هي فين وبتعمل إيه؟ وساعتها عرفت إن خطتي بدأت تمشي في الاتجاه اللي أنا عايزاه. لأني ما كنتش عايزة أخليه يكره مراته.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.