انا كنت بنضف بيت1

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

كنت كل ما أشوفك جاية في المطر، أو وأنتِ تعبانة ورافضة تقعدي، أقول لنفسي: البنت دي لازم تطلع للمستقبل وهي واقفة على أرض صلبة، مش بتصارع الزمن زي ما إحنا صارعناه.”

مسحت دموعي بطرف البلوزة اللي كنت شايلاها للمناسبات، وبصيت للأوراق تاني.
وقفت نادية وفتحت الدرج الصغير تاني، وطلعت منه ألبوم صور قديم، جلدته متهالكة.
فتحته على صفحة فيها صورة لست شابة واقفة في مطبخ شبه مطبخها ده، ماسكة جردل ومسّاحة، وجنبها بنت صغيرة بتلعب على الأرض.

“دي أنا من أربعين سنة,” قالت وهي بتشاور على الصورة. “والبنت دي هي ابنتي اللي أنا رايحة أعيش جنبها دلوقتي. بنتي بقت دكتورة، مش شطارة مني، بس لأن كان فيه ناس سخرهم ربنا في طريقي يساعدوني من غير ما يكسروا نفسي. وده دوري إني أرد الجميل للدنيا… عن طريقك أنتِ وبنتك.”

حسيت إن البيت الفاضي ده، اللي كنت فاكره مجرد جدران بنضفها وأمشي، كان شايل حب واهتمام مستتر بقاله ثمان سنين كاملة.
كل التفاصيل الصغيرة اللي كنت فاكرة إن محدش شايفها… أزازت المية اللي كانت بتسيبها لي في الحر، البسكويت اللي كان بيبقى على الترابيزة بالصدفة، السؤال البسيط عن صحة بنتي… كل ده ما كانش مجرد ذوق، كان عين بتراقبني بخوف وأمل.

وقفت وحضنتها. كان أول حضن بيننا بعد ثمان سنين.
حضن ما فيهوش مسافة بين صاحبة بيت وست بتنضف، كان حضن بين ستين عرفوا يعني إيه الدنيا تعاند، ويعني إيه واحدة تشيل التانية في الخفاء.
لما بعدت عنها، مسحت دموعها هي كمان، وأخدت المفتاح من إيدي اللي كانت قافلة عليه، وحطته في جيبها، وبعدين طلعت مفتاح تاني خالص… مفتاح جديد بنحاس بيلمع، وحطته في إيدي.
كشرت وأنا ببتسم من بين دموعي: “ده مفتاح إيه؟”

نادية ابتسمت وقالت بثقة:
“ده مفتاح الشقة الجديدة اللي جنب بنتي… الشقة فيها أوضة ضيوف، وأنتِ وبنتك مدعوين تقضوا معايا أول أسبوع في الصيف اللي جاي. وبدون أدوات تنظيف يا أمل.”
أخدت المفتاح النحاسي الجديد وبصيتله وأنا مش مصدقة.
كان بيلمع بين صوابعي، ثقيل ومختلف تماماً عن المفتاح القديم اللي قضيت ثمان سنين بفتحه كل خميس بنفس التردد والخوف.
نادية طبطبت على إيدي وابتسمت ابتسامة هادية، وقالتلي:

“انسي الشغل يا أمل.. المرة دي أنتِ جاية زائرة، وبنتك معاكي.”
قعدنا تاني على الكرسيين الخشب وسط الصالة الفاضية، صوت رنين الفراغ كان لسه مالك المكان، بس المرة دي ما كانش حزين.
كان عامل زي صمت قبل بداية جديدة.

بدأت نادية تحكيلي عن الشقة الجديدة، عن جنينتها الصغيرة، وعن بنتها اللي جهزت لها أوضة مخصوصة للأعمال اليدوية.
ولأول مرة، لقت نفسي بتكلم معاها بحرية.. حكيت لها عن مخاوفي من مستقبلي لما بنتي تسافر الكلية، وعن كبر سني، وعن أوقات كتير كنت برجع فيها البيت جسمي كله بيوجعني ومش عارفة بكره شايل إيه.

كانت بتسمعني باهتمام حقيقي، كأنها أخت كبيرة بتسمع لأختها الصغرى.
وفجأة، اتسمع صوت خبط قوي على الباب الخارجي.
نادية قامت بالراحة وقالتلي: “ده أكيد بتوع العفش رجعوا عشان ياخدوا آخر كراتين والترابيزة والكرسيين دول.”
فتحت الباب، ودخل شابين شايلين شريط تغليف وكراتين فاضية.
بدأوا يلموا بقية الحاجات من الطرقة.
وقف واحد منهم عند ترابيزة المطبخ اللي كنا قاعدين عليها وسمح لنفسه يقول: “يا هانم، الترابيزة دي والكرسيين هنحملهم دلوقتي على العربيات، فاضل حاجة ثانية هنا؟”

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
683مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق