انا كنت بنضف بيت٢

نُشر منذ أسبوع
حفظ
غلاف المقال

يوم السبت الصبح، كانت شنطنا جاهزة. نور لمّت هدومها الفرحانة، وأنا اخترت أحسن هدوم عندي. شلنا الشنط ونزلنا، ولقينا عربية بعتاها نادية خصيصاً عشان تاخدنا للعنوان الجديد جنب بنتها.
الطريق كان طويل، بس المرة دي ما كنتش بسوق ولا كنت خايفة من بنزين العربية الكركوبة ولا شايلة هم العطلة. كنت قاعدة في الكنبة الوراانية ماسكة إيد نور، وبنتفرج على الطريق والزرع الشجر اللي بيمر من جنبنا.

وصلنا لحي هادي، العماير فيه دورين بس، وكل بيت قدامه جنينة صغيرة ميرمية ورد وأشجار بيضاء وجديدة. العربية وقفت قدام بيت صغير لونه أصفر دافي.
الباب المطبخ الخارجي اتفتح، وخرجت منه نادية.. بس ما كانتش نادية بتاعة الخميس.. كانت لابسة فستان صيفي أصفر فيه ورد أزرق، وشعرها الأبيض متصفف وجميل، وابتسامتها مالية وشها.

نزلنا من العربية، ونور جريت عليها وحضنتها كأنها تعرفها من سنين. نادية مسكت وش نور بين إيديها وبصت في عينيها: “ما شاء الله يا نور.. كبرتي وبقيتي زي القمر، وست الدكاترة والممرضات الجايين.”
وبعدين بصتلي ونادتني: “تعالي يا أمل.. البيت بيتكوا.”
دخلنا البيت الجديد. كان هادي وريحة الورد مغرقاه. الصالة واسعة، وفيها شبابيك كبيرة بتطل على الجنينة. على جنب، كانت فيه أوضة صغيرة مجهزة برفين كتب وسريرين أبيضين بالكامل.. أوضة الضيوف اللي كانت حكيالي عنها.

“دي أوضتكم,” نادية قالت وهي بتشاور. “مفيش شغل، مفيش تنظيف، مفيش قيود. هنا هتقعدوا أسبوعين ترتاحوا من تعب السنين دي كلها.”
قضينا أيام الأسبوع الأول في جنينة نادية. كنا بنقعد الصبح نشرب الشاي ونأكل كيكة عملتها نادية بإيدها. اتعرفنا على بنتها، الدكتورة منى، اللي طلعت شبه أمها جداً في حنيتها وطبيعتها. منى حكت لنور عن شغ المستشفيات والتعب والليالي السهر، ونور كانت بتسمع بعينين بتلمع من الشغف.

وفي ليلة من الليالي، والنور هادي والجنينة نسمتها هادية، كنا قاعدين أنا ونادية على الكراسي الخيزران بره.
نادية بصتلي وقالت بهدوء: “أمل.. أنتِ فاكرة إن دورك معايا خلص لما بيتي القديم اتقفل؟”
بصيت لها باستغراب: “قصدك إيه يا ست نادية؟”
طلعت ورقة جديدة من جيب روبها الدافي، وحطتها قدامي على الترابيزة الزجاجية الصغيرة.

“أنا وبنتي فتحنا دار صغيرة هنا قريب، للستات الكبار اللي معندهمش حد يرعاهم، ودار تحفيظ ورعاية للأطفال الأيتام.. المكان كبر، وأنا مش قادرة أديره لوحدي من كبر سني، وبنتي وقتها ضيق مع المستشفى.”
نادية مسكت إيدي بثبات وتابعت:

“أنا محتاجة حد أثق فيه أكتر من نفسي عشان يمسك إدارة الدار دي.. حد عارف يعني إيه وجع، وعارف يعني إيه مسئولية، وبيعمل كل حاجة بضمير وحب.. أنا مش بعرض عليك شغل تنظيف يا أمل.. أنا بعرض عليك تكوني المديرة التنفيذية للمشروع ده، براتب ثابت، وشقة مجهزة جنب الدار لو تحبي تنقلي أنتِ ونور هنا عشان تكون قريبة من جامعتها.”

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.. حسيت الأرَض بتلف بيا. أنا؟ أمل اللي قضت عمرها تمسح البلاط وتلم المواين.. تكون مديرة مكان بيخدم الناس؟
“أنا يا ست نادية؟ بس أنا… أنا ما معاييش شهادات عالية ولا…”
نادية قاطعتني بصرامة دافية:
“أنتِ معاكي شهادة 8 سنين أمانة وصبر وحنية وتضحية.. الشهادات دي ما بتتباعش في الجامعات يا أمل. أنتِ أد المكان ده وزيادة.”

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
669مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق