قفل محمد السكة في وشي من غير ما يستنى رد، وأنا قعدت على الأرض مش قادرة أقف على رجليا. العيال أول ما شافوني بكيتر، جراوا عليا وح. ضنوني وبقوا يبكوا معايا. ساعتها كبريائي كله اتهد تحت رجليا.
. عرفت إن الغرور والكبر طيروا مني ابني، وكادوا يقتلوا نفس بريئة وست مظلومة. قمت من مكاني، توضيت، وفرشت سجادة الصلاة، وقعدت أبكي وأستغفر ربنا من قلبي:"يارب اغفرلي قسوتي.. يارب نجّي شيماء ونجّي ابنها.. يارب ما تحملنيش ذنبهم!"فضلت قاعدة على السجادة للدشيشة، بين الصلاة والدعاء، لحد ما الساعة عدت نص الليل.
. وفجأة، التليفون رن تاني!مسكت التليفون بلهفة وإيد بتترعش، وفتحت الخط وأنا حاطة إيدي على قلبي:ـ ألو يا محمد؟ قلقتني يا ابني طمني بسرعة!محمد قال بصوت مرعوب ومش متجمع:ـ تعالي بسرعة على المستشفى يا أمي.
. تعالي هاتي العيال وتعالي فوراً! الدكاترة خرجوا من الأوضة ودلوقتي...مسكت التليفون وإيدي بتترعش من الخوف، وصوتي طلع بالعافية:ـ في إيه يا محمد؟! الدكاترة قالوا إيه؟ شيماء جرالها حاجة؟!محمد صوته كان متقطع ومخنون بالبكاء وهو بيقول:ـ تعالي بسرعة يا أمي.
. شيماء فاقت بس النزيف وقف بالعافية، والدكاترة نقلوا لها دم، وقالوا الجنين لسه نبضه ضعيف جداً ومحتاجة راحة تامة وممنوع تتحرك خطوة واحدة.. هي عمالة تبكي وتنده على العيال ومشهورة تشوفهم، ونفسيتها هي اللي هتحدد إن كان الجنين هيثبت ولا هيسقط!
تعالي يا أمي بالله عليكِ. قفلت الخط وقمت زي المجنونة، لبست طرحتي ولبست العيال، وأنا بدعي في سري وببكي من كل قلبي. العيال كانوا ماسكين فيا وهما فرحانين إنهم هيشوفوا شيماء، بس الخوف كان باين في عينيهم الصغيرة.وصلنا المستشفى، والريحة والهدوء في الطرقات كانوا يرعبوا.
مشيت بخطوات تقيلة، وكل خطوة كانت كأنها بتفكرني بذنبي وبقسوتي. محمد كان واقف قدام الأوضة، وش أبيض كأنه المو. ت، وأول ما شافني وجاب العيال، جرى على أولاده وح. ضنهم بقوة وهو بيعيط.
بصلي بنظرة خالية من أي غضب، بس مليانة رجاء وتعب، وقال:ـ هي جوة يا أمي.. الدكتور قال لازم نفسيتها تهدى خالص، أي توتر تاني الحمل سينتهي فوراً وهي كمان صحتها في خطر. هزيت رأسي وأنا مش قادرة أرفع عيني في عينيه، وقلتله بصوت واطي ومكسور:ـ ادخل معايا يا محمد.
. أنا لازم أدخلها. فتحت باب الأوضة بشويش.. الأوضة كانت دافية وساكتة، مافيش فيها غير صوت الأجهزة المنتظم. شيماء كانت نايمة على السرير، وشها أبيض زي الملاية اللي مغطياها، والمحاليل والدم متعلقين في إيديها. أول ما الباب اتفتح، رفعت عينها المجهدة الشاحبة وبصت ناحيتنا.
العيال أول ما شافوها، جراوا عليها بلهفة بس ببطء زي ما محمد علمهم، ومسكوا في السرير وهما بيعيطوا بصوت واطي:ـ ماما شيماء! إنتِ كويسة؟ ما تسيبناش يا ماما!شيماء ابتسمت ابتسامة باهتة مليانة دموع، ومدت إيدها بالعافية مسحت على رؤوسهم وقالت بصوت ضعيف جداً:ـ أنا هنا يا حبايبي.
. مش هسيبكم والله.. أدعوا لأخوكم الصغير يفضل معانا. في اللحظة دي، أنا تقدمت خطوات ناحية السرير. شيماء أول ما لمحتني، جسمها اتشد وخافت، وحطت إيدها بسرعة على بطنها وكأنها بتحمي جنينها مني!الحركة دي نزلت على قلبي زي السكين.
. الست دي خايفة مني وأنا في بيتها وفي المستشفى! حسيت بصغر نفسي وبحجم الذنب اللي ارتكبته. كبريائي اللي كان عامي عينيا اتفتر تماماً، ودموعي نزلت بغزارة. قربت منها، وقعدت على الكرسي اللي جنب السرير، وبدون تفكير، مسكت إيدها الدافئة المعلقة فيها المحاليل، وبستها بحرقة وأنا ببكي بصوت عالي!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.