خطيبي حكايات روماني مكرم ٢

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

عندما علم حازم برفض مريم القاطع لرجاء أمه، جن جنونه. شعر أن الأرض تسحب من تحت قدميه، وبات يتملك منه خوف مرعب من أن تضيع منه للأبد، خصوصاً بعدما وصلت إليه تسريبات عن طارق؛ المهندس الوسيم والناجح الذي تقدم لخطبتها رسمياً وعائلته تجهز للزيارة الرسمية.في مساء اليوم التالي، كانت مريم عائدة من مركز العناية بالبشرة بعد جلسة اهتمام دورية.

كانت تمشي بخطوات واثقة، وجهها يفيض بالحيوية، وعطرها الهادئ يسبقها في الممر الصغير المؤدي لمنزلها. وفجأة، خرج حازم من بين ظلال الأشجار على جانب الشارع، واستوقفها بعنف، وعيناه غائمتان بالدموع والغضب والمؤتمرات النفسية.

"مريم! اسمعيني للآخر، ومش هسيبك تمشي المرة دي!" قالها بصوت ملؤه التهديد والرجاء الممتزجين. وقفت مريم دون أن ترف لها جفن، لم تفزع ولم تتراجع، بل رفعت حاجبها بنظرة استخفاف أحرقت ما تبقى من غروره، وقالت ببرود قاتل:"صوتك ما يعلاش يا حازم، وإيدك دي لو قربت خطوة ثانية، هسحبك على أقرب قسم شرطة.

اتفضل قول اللي عندك في أنجز وقت، عشان مش فاضية."سقطت دمعة سريعة من عين حازم وهو ينظر إليها، ينظر إلى التحول الجذري في كل إنش منها؛ من فتاة كانت تداري كسوفها وتعمل فوق طاقتها، إلى امرأة قوية، ساحرة، تفيض بالجمال والكرامة.

جثى حازم على ركبتيه في منتصف الشارع، أمام أعين جيرانهما الذين بدأوا يطلون من الشرفات، وقال بصوت حشرجي مكسور:"أنا تحت رجلك يا مريم.. سامحيني! اضربيني، اهينيني، اعملي فيا اللي إنتِ عايزاه، بس ما تروحيلوش! ما تخليش واحد تاني يأخدك مني!

أنا عرفت قيمتك، عرفت إنك الجوهرة الوحيدة اللي كانت في حياتي وأنا بإيدي رميتها في التراب. أنا مستعد أكتبلك الشقة باسمك، ومستعد أعمل كل اللي تطلبيه.. بس بلاش قسوة، ارحميني!"نظر الجميع في الشارع بذهول؛

حازم المتكبر الذي كان يباهي بجاذبيته وسيمترا جسمه، يجلس على الركبتين يبكي ويتوسل لمريم التي كان يصفها قبل شهر بالتقزز. لكن مريم لم تضعف. لم تبتسم شفقة، ولم تتأثر بهذه التمثيلية المتأخرة. كل ما افتكرته في تلك اللحظة هو صوت النحنحة والجفاء في كلامه يوم كان زادها الحمى والصعد، وكيف ألقى بحمول قسوته على قلبها وهي تتألم.

اقتربت منه خطوة واحدة، نزل مستوى نظرها إليه وهو جليسك على الأرض، وقالت بصوت منخفض وصارم كصليل السيف، سمع كل حرف منه كأنه جرس إعدام:"الرحمة دي تطلبها من ربنا يا حازم.. مش من قلب إنت ذبحته بدم بارد. أنا مش قاسية، أنا بس بقيت بشوفك على حقيقتك.

.مجرد شق صغير في ماضيّ وقفلت عليه بدبة مصلبة. دموعك دي مش عشان بتحبني، دموعك عشان انكسرت وعينك فارغة ومش قادرة تستوعب إن الحاجة اللي ركبتها بالرخيص بقت أثمن من إنك تطولها. قوم ولم باقي كرامتك اللي فضلت، لأن لو طارق جاه بكرة ولقاك واقف هنا.

. مش هتحب اللي هيحصل."قالت كلماتها وتركته جثواً على الأرض بين ذهوله ودموعه وضحكات الجيران الشامتة في خلفية المشهد. صعدت إلى شقتها، ودخلت غرفتها لتستعد لليوم التالي؛ اليوم الذي سيتقدم فيه طارق رسمياً، الرجل الذي رأى جوهرها وقيمتها، وقبل أن يتطلع لجمالها الخارجي، احترم شقاءها وأصلها الطيب.وقفت مريم أمام المراية، ابتسمت لنفسها ابتسامة نصر حقيقية، أغلقت الستائر على الشارع المظلم في الأسفل حيث كان حازم يلملم خيبته ويمشي بخطوات مكسورة، معلنة بداية فصل جديد تماماً في حياتها، فصل لا مكان فيه للضعف أو للذين يقيّمون القلوب بقشور الوجوه.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
683مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق