أحمد بصلي بنظرة كلها ثقة وقال متخافيش عليا يا أمي.. ابنك راجل ومبيعملش العيب. خرج أحمد من الأوضة، وأنا نزلت وراه على طول، ونزلنا للجراج. فتح شنطة العربية، وطلع الشنطة الجلد التقيلة. مسك تليفونه، وطلب رقم، واستنى ثواني لحد ما الخط فتح السلام عليكم يا باشمهندس طارق.. بعتذر على الاتصال في وقت زي ده، بس في أمانة تخص حضرتك وموضوع خطير لازم أبلغك بيه وجه لوجه، ومش هينفع يتاجل دقيقة واحدة.
أنا قدام مستشفى الميري، ومستني حضرتك في أي مكان تختاره. الراجل على التليفون شكل نبرته اتغيرت وطلب منه يجيله على مكتبه في سموحة حالًا. أحمد بصلي وقالي ماما، اركبي معايا، مش هسيبك لوحدك، وعايزك تبقي شاهدة على كل خطوة. روحنا المكتب، وقابلنا المهندس طارق، راجل في أواخر الخمسينات، وشه صارم وهيبته واضحة. قعدنا، وأحمد حط الشنطة على المكتب قدامه بكل هدوء. الراجل بص للشنطة بصدمة، وفتحها ولقى الورق والدهب ودفاتر الشيكات زي ما هي.
رفع عينه لأحمد وسأله بحدة الحاجة دي كانت فين يا أحمد؟ وإنت وصلتلها إزاي؟ إبراهيم الهربان ده فين؟! أحمد اتكلم بمنتهى الصدق والأمانة، محورش ولا كدب، حكى القصة من طقطق لسلامو عليكم، من أول يوم خطوبة لحد اللحظة اللي ندى وقعت فيها مغمى عليها في عربيته. حكى عن خوف الستات، وعن تهديد الأب ليهم، وعن محاولة توريطه، بس أكد على حاجة واحدة يا باشمهندس طارق، البنت وأمها ضحايا راجل مبيخافش ربنا، هما مالهومش ذنب في سرقة ولا نصب.
هما كانوا مرعوبين من الناس اللي بتهددهم، والبنت لما لقت نفسها هتورطني، ضميرها صحي ووقعت من طولها ومقدرتش تأذيني. حاجتك عندك كاملة مليم مليم، وأنا اللي جايبهالك برجلي عشان دي أمانة، وميرضينيش أكل عيشي يبقى فيه شائبة واحدة. بس أترجاك.. اكفيهم شر الناس اللي بتبعتوهم يكسروا الباب عليهم، كفاية اللي هما فيه. الراجل فضل باصص لأحمد دقيقة كاملة من غير ما ينطق، عينه كانت بتدرس ملامح ابني.
وبعدين اتنهد وقفل الشنطة وقال قليلين أوي اللي زيك اليومين دول يا أحمد.. راجل شهم وأمين، وكان ممكن تاخد الحاجة دي وتساوم بيها أو ترميها وتبعد عن الحوار كله. حقك عليا، والناس اللي كانوا بيدوروا دول مكنوش بلطجية بالمعنى، دول محامين ورجالة حراسة بتوعي كانوا بيطالبوا بحقي من النصاب ده، ومن اللحظة دي محدش هيقرب من بيت مراته ولا بنته. أما إبراهيم، فالقانون كفيل بيه ومسيره يقع.
خرجنا من الشركة وأنا حاسة بفخر الدنيا كله في قلبي، حطيت إيدي على كتف أحمد وقولتله رفعت راسي يا ابني، ربنا يبارك في عمرك ويحميك من كل شر. أحمد ابتسم بمرارة، وهز راسه وقال الحمد لله يا أمي.. بس لسه في خطوة أخيرة لازم تخلص النهاردة. رجعنا المستشفى، كانت ندى استردت شوية من عافيتها، وقاعدة على السرير وأمها جنبها مستنيين مصيرهم.
أحمد دخل الأوضة، وقف قدام ندى، وطلع علبة الشبكة من جيبه.. العلبة اللي كانت ندى سايباها مع هدومها، وحطها على الكومودينو بهدوء. ندى بصت للعلبة والدموع اتجمدت في عينيها. أحمد اتكلم بنبرة هادية بس قاطعة مفيهاش رجعة ندى.. حاجتك وأبوكي خلاص في أمان، الباشمهندس طارق استلم أمانته ووعد إن محدش هيتعرضلكم تاني، والبوليس هيتصرف مع أبوكي بالقانون. وأنا عملت ده عشان أصلي وتربيتي، ومكنش ينفع أشوف ستات في ورطة وممدش إيدي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.