مي فهمت إن أحمد خلاص وصل لنقطة اللارجوع.. الحقيقة كانت عريانة وقاسية، والجمود اللي في وشه ما كانش فيه أي مجال للتفاوض. قامت تجري على الأوضة وهي بتعيط وتشهق، وبدأت ترمي الهدوم في الشنطة بعشوائية وصوت خبط الأدلاف مالي البيت. أحمد قرب مني.. مشي بخطوات تقيلة كأنه شايل جبل على كتافه. قعد على الركبتين قدام الكرسي بتاعي، وحط رأسه في حجري وبدأ يعيط بالصوت.
. عياط راجل اتكسر وسنده الوحيد كان أمه اللي ظلــ,,ـــــمها وجار عليها عشان يرضي مراته. مسحت على شعره بهدوء، وقلت له: — اهدا يا أحمد.. يا ابني اهدا. الحمد لله إن ربنا كشفها قبل ما يجيب منها عيل يربطه بيها طول العمر. رفع رأسه وبص لي وعينيه حمرا: — سامحيني يا أمي.. أرجوكي سامحيني. أنا كنت أعمى.. كنت باديها الفلوس وأنا فاكر إنها بتساعدك، وكنت بشوفها بتقفل الحمام وأقول معلش عروسة وبتهتم بنفسها..
ما كنتش أعرف إنها بتستغل سكوتك وطيبتك بالأسلوب القذر ده! إنتِ شلتي كتير وداريتي عليا عشان ما تزعلنيش، وأنا ردتلك ده بإني سبتها تتطاول عليكي على السفرة! — يا ابني إنت مالكش ذنب.. إنت كنت مخدوع زيي. المهم إن البيت ده هيرجع يروح فيه النفس الطيب تاني. بعد بضع دقايق، طلعت مي من الأوضة وهي بتجر شنطة سفر كبيرة، ووشها متدمر من العياط ومسحوق المكياج سايح على خدودها.
بصت لـ أحمد بقلة حيلة ورجاء أخير: — أحمد.. أرجوك نتكلم بكرة لما تهدى.. أحمد ما بصش ناحيتها أصلاً، قام فتح باب الشقة الكبير وشاور لها على بره ببرود تام. مي خرجت وهي بتجر شنطتها على السلم، وصوت جزمة كعبها بيبعد بالتدريج. أحمد رزق الباب وراه وقفل اللسان بالترباس، وكأن باب بيتي اتقفل على كابوس تقيل دام ست شهور.
أحمد لف لي، وبص للحمام اللي كان مقفول بالساعات، وبعدين بص لي وقال: — ادخلي قيدي السخان يا أمي.. وادخلي خدي أحلى وأطول دش سخن في بيتك.. ومن بكرة، ما فيش مخلوق يدخل البيت ده غير بكرامتك ورضاكي. السخان بدأ يشتغل وصوت المية وهي بتملى الغلاية كان أول صوت دافي يدخل البيت من 6 شهور.
أحمد أخد الدهب والفلوس من على السفرة، وجاب العلبة القطيفة من جوه، ورص الغوايش قدامي على السفرة إيديه كانت بتترعش وهو بيحط كل قطعة في مكانها، كأنه بيحاول يرمم حاجة اتكسرت جواه هو قبل ما تكون اتكسرت في البيت. — خدي دهبك يا أمي.. وحقك عليا في كل قرش وكل دقيقة حسيتي فيها إنك غريبة في بيتك.
ابتسمت له بهدوء ومسحت على إيده: — الدهب بيروح ويجي يا أحمد، المهم إنك بخير وإن عينك اتفتحت قبل ما الوقت يفوت. أحمد ما قعدش.. مسك جردل المية والشرشوبة والمنظفات من المطبخ، ودخل الحمام الوحيد اللي كان مقفول بالساعات. شغل المية السخنة وبدأ يغسل الحيطان والمراية اللي كانت دايماً مغبشة بالبخار، ومسح الأرفف من بواقي الكريمات والزيوت اللي كانت مالية المكان. كان بينظف بَغَلّ، كأنه بيمسح أثر مي من البيت خالص.
بعد نص ساعة، طلع أحمد وقال بصوت خافت: — الحمام فاضي يا أمي.. والمية سخنة نَار. ادخلي خدي وقتك براحتك خالص. قمت دخلت الحمام.. للمرة الأولى من شهور، وقفت تحت المية السخنة في بيتي من غير ما أكون مستعجلة، من غير ما أسمع خبط على الباب، ومن غير ما أحس إني عبء على حد. خرجت وأنا حاسة إن روحي هي اللي اتغسلت مش جسمي بس.
لقيت أحمد قاعد في الصالة، طفى النجفة الكبيرة ومولع لمبة سهاري صغيرة، وحاطط رأسه بين إيديه. قعدت جنبه على الكنبة، وبص لي وقال: — أنا مش مصدق إن دي كانت مراتي يا أمي.. مش مصدق إن الإنسانة اللي اخترتها وعشت معاها سنة ونص كانت بالغل والجشع ده! كانت شايفاكي ساكتة فتسوق فيها، وكانت شايفاني بتعب فتاخد عرقي وتشتري بيه مظاهر كدابة وتسرقك! — اللي يربيه الطمع يا ابني ما يملاهوش غير التراب.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.