هو طوال عمره مصدق إن أمه مسكــ,,ـــــينة وعيانة ومظلومة، والنهارده سمعها بعينيه بتعترف إنها كانت بتتبلى وتدعي المرض وتخلينا نخسر قطتي اللي بقالها عشر سنين معايا وتمشيني من بيتي لمجرد الكره والسيطرة. تمتم سامح بصوت واطي ومكسور: “يعني.. يعني أنتِ يا أمي مكنش عندك حساسية من القط؟ ولا من البرتقال؟ ولا السجاد؟” نعيمة بصت لابنها وارتبكت لحظة، بس غرورها منعها تعتذر، فقالت بدفاع مستميت: “كنت بنضف بيتك يا ابني!
كنت بعرفها مقامها عشان متمشيش كلامها عليك! أنت بتصدق الغريبة وتكذب أمك اللي كبرتك؟” بصيت لسامح وقلتله بنبرة ألم قديمة بس حاسمة: “فاكر سمسم؟ القط اللي اتربيت معاه عشر سنين وجيت أنت بكل قسوة رميته في الشارع في عز البرد عشان أمك كانت بتصرخ وتقول بتمــ,,ـــــوت من شعره؟ فاكر دموعي وقهرتي يومها؟ فاكر لما طلقتني عشان قلتلك أمك بتمثل؟ أدي الحقيقة قدامك أهيه، بصوتها وعترفها.
” سامح وشو جاب ألوان، بص للأرض، وبعدين بص لأمه بنظرة خيبة أمل عميقة جداً. النظرة دي كانت بتمثل انكسار الصورة السحرية للست المظلومة اللي كان مستعد يضحي بكل حاجة عشانها. نعيمة حسّت إن البساط بيتسحب من تحت رجلها، ورجعت تحاول تمسك رقبتها تاني وتعمل شغل الدوخة: “آه يا رأسي.. الضغط علي.. الحقني يا سامح الحقني…” لكن المرة دي، سامح ما تحركش من مكانه. ما جراش عليها، ما طبطبش، ولا حتى سأل مالك.
فضلت عيونه متعلقة بيا وبالموقف. سحبت شنطة البرتقال من على الترابيزة، ومشيت لحد باب الشقة، فتحته على آخره، وبصيت لنعيمة وقلت: “المرادي يا طنط المسرحية انتهت.. والجمهور فهم القصة خلاص. من بكرة، أي حاجة هتدخل البيت ده هتدخل بكلمتي، والملايات اللي هفرشها هتنامي عليها ورجلك فوق رقبتك، والبرتقال اللي هجيبه هتاكليه وتدعيلي كمان..
لأن لو سمعت كلمة حساسية تاني، الملف اللي جواه اعترافك ده هيوصل لكل عيلتك وإخواتك عشان يعرفوا الست المريضة بجد إيه نوع مرضها!” رميت شنطة البرتقال على ترابيزة السفرة، ودخلت أوضتي وقفلت الباب بلمسة ثقة هادية، وسبت سامح واقف في الصالة يواجه أمه والحقيقة اللي عاش يتهرب منها سنين. عدت ليلتها في الأوضة وأنا حاسة براحة غريبة ما حستهاش من سنين.
لأول مرة أحس إن الثقل اللي كان كاتم على نفسي انزاح، وإن الموقف اتعكس تماماً. بره في الصالة، كان الصوت واطي جداً، سامح ما زعقش وما عملش خناقة كبيرة، بس سكوتة كان أقسى بكتير من أي كلام. سمعت خطواته وهو بيمشي في الشقة ببطء، وصوت باب أوضته وهو بيتقفل، وسب أمه قاعدة لوحدها في الصالة مع شنطة البرتقال واعترافها اللي هدم كل اللي بنته في سنين.
تاني يوم الصبح، طلعت من الأوضة بدري عشان أجهز نفسي للنزول للشغل. الصالة كانت هادية، ونعيمة كانت قاعدة على الكنبة مطأطأة رأسها، ولابسة طرحتها كأنها مستنية المحاكمة. أول ما شافتني طالعة، ما رفعتش عينها في عيني ولا نطقت بحرف، مفيش “شيلي القرف ده”، مفيش حشرجة، ومفيش تمسكن. كانت ساكتة تماماً كأن القناع اللي كانت لابساه اتخلع ومش عارفة تتصرف إزاي من غيره.
سامح كان قاعد في المطبخ بيشرب قهوة، وشه كان باهت وتحت عينيه سواد يبين إنه مانامش طول الليل. أول ما شافني، وقف وقال بصوت هادي ومكسور: “صباح الخير يا نيرة.” رديت بجمود: “صباح النور.” قرب مني خطوة، وقرب إيده كأنه عايز يمسك إيدي بس تردد ورجعها تاني: “أنا مانامتش طول الليل وأنا بفكر في كل كلمة اتقالت البارحة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.