بعد ما تبرعت بكليتي لحمايا، وبعد يومين بس جوزي قدّملي ورق الطلاق… وبعدها دخل الدكتور وقال جملة واحدة جمدت اللي في الأوضة كلهم. فوقت على صوت جهاز مراقبة القلب وهو بيصفر بشكل ثابت، وطعم المطهر المر في بُقي. جنبي كان مولّع بألم تقيل، مش حاد، بس مستمر… النوع اللي بيفكّرك مع كل نفس إن في حاجة اتشالت من جسمك ومش هترجع تاني.
حاولت أفتح عيني بالعافية. السقف الأبيض فوقي كان باين ضبابي، والإضاءة قاسية. استوعبت ببطء أنا فين… المستشفى. العملية خلصت. اتبرعت بكليتي لحمايا. كنت فاكرة إن الراجل ده اللي في مقام أبويا، لما ينقذ حياته جزء مني، هبقى خلاص ملكت مكانة في البيت ده مفيش قوة تهزها. كنت فاكرة إن "إياد" جوزي هيشيلني فوق راسه العمر كله. لفّيت راسي بالعافية، لقيت إياد واقف عند طرف السرير، وشه جامد مش مفهوم.
مفيش لهفة، مفيش حتى كلمة "حمد لله على سلامتك". قلت بصوت مبحوح: "إياد.. بابا عامل إيه؟ العملية نجحت؟" هز راسه ببرود: "آه.. بابا كويس والكلية بدأت تشتغل." استنيت يمسك إيدي، يطمن عليا. لكنه طلع ظرف بني من ورا ضهره وحطه على رجلي بجمود. قلبي انقبض وسألت برعشة: "إيه ده؟" بلع ريقه وقال وعينه في الأرض: "دي أوراق طلاقنا يا ندى..
أنا عملت اللي عليا ووصلتك للعملية، بس حياتنا سوا خلصت من زمان، واليومين دول كنت مستني أطمن على بابا بس عشان أنفذ قراري." الكلمة كانت أصعب من جرح العملية.. "استنيت لما أتبرع بكليتي لأبوك وبعدها تطلقني؟ أنت كنت بتمثل الحب عشان تاخد حتة من جسمي؟" رد بمنتهى الجحود: "أنا مأجبرتكيش، إنتي اللي عرضتي، وأنا قولت فرصة تنقذي حياة أغلى إنسان عندي.. ودلوقتي أنا مرتبط بإنسانة تانية، وهي اللي هتكمل معايا حياتي.
" في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل الدكتور، وشه كان مخطوف ونظراته بتتنقل بينا بذهول. قرّب من السرير وبص في التقرير اللي في إيده، وبص لإياد وقال بصوت عالي: "أستاذ إياد.. حصلت مفاجأة في التحاليل الأخيرة بعد العملية، الكلية اللي اتنقلت لوالدك بدأت تهاجم جسمه بشكل عنيف لأن فصيلة الدم كانت مطابقة 'ظاهرياً' بس، واكتشفنا إن والدك عنده مرض مناعي نادر خلاه يرفض كليتك يا مدام ندى.
. وللأسف والدك حالياً في غيبوبة تامة والجهاز المناعي دمر الكلية الجديدة تماماً في أقل من ساعة!" إياد انهار ووقع على ركبه وهو بيصرخ: "يعني إيه؟ يعني بابا بيموت؟ والكلية اللي أخدناها راحت؟" الدكتور بص له بقرف وقال: "مش بس كدة.. الغريب إننا اكتشفنا إن المدام ندى عندها 'طفرة' معينة في كليتها التانية، ولو الكلية اللي اتنقلت ماتت، ندى نفسها حياتها هتبقى في خطر ولازم تدخل العمليات حالاً عشان نلحق الجزء اللي فاضل لها!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.