فتحت الطبيبة الباب، وبجانبها الممرضة تحمل حقنة التخدير الموضعي أو المهدئ. أطلقت الطبيبة ابتسامة مزيفة تتصنع الرحمة والتفهم: * “إزيك يا مريم؟ معلش الألم شديد، بس خلاص، جهزنا غرفة العمليات وهندخل نعمل قيصرية فوراً عشان نطمن على البيبي وعليكي.” نظرت مريم في عيني الطبيبة مباشرة، بجمود أربك الأخيرة لثوانٍ، وقالت بصوت متهدج ولكن نبرته ثابته: * “دكتورة.. أنا عايزه أغير المستشفى. أنا مش مرتاحة هنا.
” ارتبكت الطبيبة وتراجعت خطوة للوراء، بينما تقدمت الممرضة تحاول إمساك يد مريم: * “تغيري المستشفى إزاي بس يا مدام؟ أنتِ في حالة مخاض، والولد رأس نزلت، أي حركة دلوقتي خطر عليكي وعلى الجنين!” تدخلت الطبيبة بسرعة محاولة تدارك المواقف: * “مريم يا حبيبتي، ده توتر الطبيعي بتاع قبل الولادة.. جوزك حسام محضر كل حاجة، والأوضة مجهزة بأحدث الأجهزة، متقلقيش خالص، أنا جنبك وهنهي كل حاجة في نص ساعة.
”* “اهدائي يا مريم.. كل حاجة تحت السيطرة، الدكتورة شاطرة جداً وأنا واقف بره مستني أسمع صوت ابننا.” نفضت مريم يده عن كتفها بقوة وجلست باعتدال رغم الألم الحاد الذي يعصر أحشاءها. نظرت إليه بنظرة نارية جعلت حسام يتراجع خطوة متفاجئاً. * “شيل إيدك عني يا حسام.. أنا مش هولد هنا، ومش هتدخل غرفة العمليات دي بالذات!
” تغيرت ملامح حسام للقصوة، وغابت الابتسامة المزيفة لتظهر الشخصية المستبدة التي رأتها في الصالة منذ أيام: * “أنتِ اتجننتِ؟ يعني إيه مش هتولدي هنا؟ الحساب مدفوع، والدكتورة جهزت كل حاجة، أنتِ فاكرة الولادة لعبة؟ يلا يا دكتورة جهزوها بسرعة مفيش وقت للفرعة دي!” أومأت الطبيبة للممرضة لتبدأ في تجهيز المحاليل، لكن مريم صرخت بأعلى صوتها، صوت هز أرجاء الممر الهادئ: * “أنا اتقال لي بره في الممر كل حاجة!
سمعتك يا حسام وأنت بتتفق مع الدكتورة تبيعوا ضميركم وتعملوا لي ربط رغماً عني وتزوروا تقرير طبي! لو حد قرب مني دلوقتي هصرخ وألم المستشفى كلها وهطلب البوليس فوراً بتهمة الشروع في إحداث عاهة مستديمة والتزوير!” ساد الذهول الغرفة. شحب وجه الطبيبة تماماً وتراجعت للخلف وكأنها تلقت صفعة، متلعثمة: * “يا مدام.. أنتِ فاهمة غلط.. ده كلام..” بينما تحول وجه حسام إلى اللون الأحمر القاني، واشتعلت عيناه بظلم جحيمي.
أدرك أن مخططه الخبيث قد انكسر على عتبة الباب، وأن مريم عرفت كل شيء. اقترب منها بتهديد واضطراب، وأمسك بمعصمها بقوة وقسوة شديدة: * “أنتِ نهيتِ كل حاجة بعضك ده.. اطلعي قدامي على العربية! مفيش ولادة هنا ولا في غيره لحد ما تعقلي!” صرخت مريم من شدة الم قبضته ومغص الولادة المتزايد: * “سيب إيدي يا مجرم!
يا ناس.. الحقوني!” دخل إداري المستشفى وبعض أفراد الأمن على أثر الصراخ، وساد الهرج والحديث الحاد. استغلت مريم حالة الارتباك، وسحبت هاتفها المحمول من حقيبتها الملقاة على الطاولة بخفة، واتصلت برقم شقيقها الأكبر “محمود”، الرجل الصارم الذي كان دائماً مصدر أمانها.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.