عقيد الماني

نُشر منذ 4 أيام
حفظ
غلاف المقال

كانت الحرب قد انتهت والرايخ قد مات لكن كلاوس ريختر كان ما يزال حيا وكان يعتقد أنه سيحسن تدبير ذلك. في الثالث من مايو 1945 بلغ وادي هوتشتال في جبال تيرول. كانت منطقة معزولة قاسية حيث يشك الناس في الغرباء ولا يطرحون أسئلة. أوقف المرسيدس قرب مزرعة مهجورة ثم مشى الكيلومتر الأخير حتى الكهف. كان تماما كما يتذكر. المدخل مخفي خلف صخور وأشجار بالكاد يرى.

في الداخل كان الكهف يمتد لأكثر من مئة متر بقاعات طبيعية صنعتها آلاف السنين من التعرية. كان الهواء باردا لكنه جاف وهو ما يجعله مثاليا للحفظ. عاد ريختر ليأتي بالمرسيدس. استغرقه الأمر ست ساعات ليدخل السيارة إلى الكهف يقود مليمترا بمليمتر عبر الطريق الضيق الصخري. لكنه نجح في النهاية. أصبحت السيارة في الداخل مخفية عن العالم.

في الأيام التالية أعد ملاذه نقل المؤن من المزرعة المهجورة نصب مصابيح زيتية صنع مساحة معيشة بدائية في إحدى القاعات وقبل كل شيء بدأ يكتب يومياته. لم تكن اعترافات ولا اعتذارات بل سردا لما حدث لما رآه لما فعله. كان كلاوس ريختر يعلم أن التاريخ سيكتبه المنتصرون وأراد أن تبقى نسخته على الأقل في مكان ما. تحولت الأسابيع إلى أشهر مايو يونيو يوليو 1945.

كان الحلفاء قد احتلوا النمسا كلها. كانت الدوريات تمر أحيانا في الوادي بحثا عن الهاربين لكن أحدا لم يعثر على الكهف ولم يبحث هناك. كان ريختر يعيش على المعلبات ومياه الجبال والصمت. وفي كل ليلة على ضوء مصباح زيت مرتعش كان يكتب مئات الصفحات عن حياته وعن الحرب وعن القرارات المستحيلة وعن الأوامر التي نفذت وعن أشياء لم يكن فخورا بها لكنه لم يكن يندم عليها أيضا.

صارت اليوميات رفيقه ومصغيه ووصيته. جاء خريف 1945 ببرودة لاذعة. أصبحت ليالي الكهف لا تطاق. كان يرتدي زيه العسكري الكامل فقط ليتدفأالزي الذي أقسم ألا يرتديه مجددا. لكن الكبرياء لا يدفئ حين يأتي الصقيع. كان يعلم أنه لن يستطيع قضاء الشتاء هناك. الثلوج ستسد المدخل بالكامل. كان عليه أن ينزل مؤقتا على الأقل وأن يختلط بالناس.

لكن كيف كان وجهه معروفا في المنطقة. قد يتعرف إليه أحد. جاء الحل من مزارع محلي اسمه يوهان شتاينر. كان ريختر قد راقبه لأسابيع من نقطة فوق الوادي. كان شتاينر يعيش وحده يعمل وحده ونادرا ما يتحدث إلى القرويين الآخرين. كان ذلك مثاليا. في ليلة من ليالي أكتوبر نزل ريختر إلى المزرعة وطرق الباب وهو يحمل مسدس لوغر في يده لكنه مخفي. فتح شتاينر ورأى الزي العسكري تحت المعطف الطويل وفهم على الفور.

أنت هارب. لم تكن سؤالا. قال ريختر لدي مال ذهب. أستطيع أن أدفع لك بسخاء إن ساعدتني. نظر شتاينر إليه طويلا ثم هز كتفيه. المال لم يعد يساوي شيئا أما الذهب فالذهب يبقى ذهبا. سأله ماذا تريد أجاب ريختر مكان أقيم فيه هذا الشتاء. كتمان. طعام. لا أحد يجب أن يعرف. قال شتاينر بعد لحظة أخي كان لديه كوخ صياد على بعد كيلومترين من هنا.

لا يذهب إليه أحد. مات في ستالينغراد. يمكنك استخدامه. لكن إن وجدك الحلفاء فأنا لا أعرفك. وهكذا بدأت شراكة غريبة. قضى ريختر شتاء 1945 و في الكوخ المعزول. كان شتاينر يجلب له الطعام كل أسبوع مقابل سبائك صغيرة من الذهب. لم يتحدثا كثيرا. لم يطرح شتاينر أسئلة. ولم يقدم ريختر تفسيرات. خلال تلك الأشهر واصل ريختر كتابة يومياته. أصبحت الملاحظات أكثر فلسفة وتأملا.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
669مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق