” وهي ما كانتش تعرف إن اللي جاي كان هيغيّر شكل البيت كله حماتي فضلت قاعدة مكانها، ساكتة، وكأن الكلام اللي سمعته مني كان تقيل عليها أكتر من أي إهانة هي قالتها لي. أما أنا، فطلعت شقتي وقفلت الباب ورايا. قعدت على طرف السرير، وبصيت لإيديا. الإيدين اللي اتشققوا من الصابون، واتحرقوا من الزيت، واتقطعوا من السكينة، وشالوا أطباق وأحواش وغسيل سنين. افتكرت أول يوم دخلت فيه البيت ده.
كنت بنت صغيرة، داخلة وأنا فاكرة إن بيت جوزي هيبقى بيتي، وإن حماتي هتبقى زي أمي. كنت بفرح لما أعمل أكلة تعجبها، وأستنى منها كلمة حلوة كأنها جايزة. لكن مع الوقت، الكلمة الحلوة اختفت، وفضلت الطلبات. “يا سعاد اعملي.” “يا سعاد هاتي.” “يا سعاد نضفي.” “يا سعاد الواد عايز ياكل.” وكل ما كنت أعمل أكتر، كانوا يطلبوا أكتر. لحد ما بقيت مش عارفة أنا مرات أحمد ولا عاملة عند العيلة.
دمعت عيني، بس المرة دي مسحت دموعي بسرعة. أنا مش عايزة أعيط. أنا عايزة أعيش. عدى يومين والبيت كان حاله غريب. كل واحدة بقت تعمل لنفسها أكل. حماتي نفسها اضطرت تنزل المطبخ، وسلفاتي اكتشفوا إن المواعين مش بتتغسل لوحدها، وإن الأكل مش بيطلع من التلاجة سخن جاهز. أما أنا، فكنت عاملة نظام جديد. بيتي الأول، نفسي الأول، وبعدهم أي حد محتاج مساعدة أساعده بمزاجي.
الغريب إن أحمد بدأ يتغير. رجع من الشغل في يوم، لقى البيت هادي، والأكل موجود عندنا إحنا بس. بصلي وقال: “إنتِ عاملة أكل؟” قلت: “أيوه.” قال: “وماما؟” قلت: “كل واحد بقى مسؤول عن بيته.” سكت شوية، وبعدين قال: “أنا آسف.” بصيت له باستغراب. قال: “على سكوتي يومها.” فضلت ساكتة. قرب مني وقال: “أنا عارف إني غلطت. كنت فاكر إني لو سكت هبعد المشاكل عني، بس أنا اكتشفت إني بس كنت بسيبك تواجهِيها لوحدك.
” قلت: “أنا ما كنتش محتاجة منك تخاصم أمك عشاني يا أحمد. كنت محتاجة بس تحطني في نفس مكانتها كإنسانة.” هز راسه. “عندك حق.” ولأول مرة من عشر سنين، حسيت إن جوزي بدأ يشوفني فعلًا. بعد أسبوع، حماتي طلبتني. نزلت لها، وأنا متوقعة إنها هتبدأ خناقة. لكنها كانت قاعدة لوحدها. قالت: “اقعدي.” قعدت. فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت: “أنا فكرت في كلامك.
” قلبي اتقبض. قالت: “وأنا عارفة إني ظلمتك.” ما توقعتش الكلمة دي منها. بصيت لها من غير ما أتكلم. كملت: “كنت شايفة إنك لو بتعملي كل حاجة يبقى ده الطبيعي، ولما بطلتِ حسيت قد إيه البيت كان معتمد عليكِ.” قلت بهدوء: “أنا ما كنتش عايزة أسيبكم، يا حماتي.” قالت: “عارفة.” “أنا كنت عايزة أحس إنكم مقدرين ده.” نزلت عينيها. وبعدين قالت: “والقميص…” سكتت. قلت: “القميص وجعني، بس مش أكتر حاجة.
” قالت: “عارفة.” “أكتر حاجة وجعتني إنك قلتي الكلام ده قدام الكل.” تنهدت وقالت: “أنا غلطت.” كانت أول مرة أسمع منها اعتذار صريح. مدت إيدها ناحيتي. “سامحيني.” بصيت لإيدها شوية. وبعدين مسكتها. “سامحتك.” لكن قبل ما تفرح، كملت: “بس السماح مش معناه إننا نرجع زي الأول.” بصتلي باستغراب. قلت: “أنا هفضل مرات ابنك، وهفضل أحبك وأساعدك، بس مش هقبل إهانة، ومش هتحمل البيت كله لوحدي.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.