وعندما نزلت ميا توقفت لحظة على الدرج. يتذكر السائق جيدا الحوار القصير الذي دار بينهما فقد سألته الفتاة هل ستمر الحافلة من هنا في رحلة العودة عند الساعة الثامنة وخمس عشرة هز السائق رأسه مؤكدا وأضاف أنها الرحلة الأخيرة في ذلك اليوم. فقالت سأكون هنا. ثم شدت أحزمة حقيبتها الصغيرة وخطت على الحصى الرطب. كانت تلك آخر مرة ترى فيها.
كانت خطة ميا طموحة إذ كان عليها أن تسير نحو عشرة كيلومترات من الطريق السريع إلى بداية مسار المشي عبر طريق الحصى المؤدي إلى جبل الكهف ثم تتابع السير حتى الجرف الصخري تستريح قليلا وتعود إلى الطريق السريع للحاق بحافلة المساء. لم تحجز مكان إقامة ولم تترك لأي شخص مسارا مفصلا لرحلتها. كانت معتادة على الاعتماد على نفسها وكانت تعتبر الأوزاركس مكانا آمنا.
مر النهار وبدأت الشمس تختفي خلف الجبال وغرقت الغابة سريعا في العتمة. وعند الساعة السادسة وخمس عشرة دقيقة مساء بدأت الحافلة نفسها العائدة إلى فايتفيل تخفف سرعتها قرب مفرق جبل الكهف. أشعل السائق أضواء الطوارئ وتوقف. كان يتوقع أن يرى فتاة بسترة خضراء زيتونية لكن جانب الطريق كان خاليا. انتظر ثلاث دقائق بل أطلق بوق الحافلة على أمل أن تكون الراكبة قد تأخرت قليلا.
تردد صوت البوق في الغابة ثم خمد ولم يظهر أحد. افترض السائق أن الفتاة غيرت خطتها أو وجدت سيارة عابرة ثم واصل طريقه. ولم يظهر القلق الحقيقي إلا في صباح اليوم التالي ففي الساعة السابعة والنصف اتصل مدير المقهى بوالدي ميا ليخبرهما أنها لم تحضر إلى عملها وهو أمر لم يكن من عادتها. وما إن علم والداها برحلتها إلى الجبال حتى اتصلا فورا بالشرطة.
في ذلك اليوم نفسه قدم بلاغ باختفائها وبدأت عملية البحث بعد أربع وعشرين ساعة من نزولها من الحافلة. كانت العملية واسعة النطاق متطوعون وحراس الغابات وضباط الشرطة بدؤوا تمشيط كل متر من طريق الحصى. وكان العنصر الحاسم في البحث هو عمل كلاب التتبع. أعطيت الكلاب عينة من رائحة ملابس ميا فالتقط أحدها الأثر بثقة عند نقطة النزول نفسها على الطريق السريع رقم 21 وقاد المدرب نحو طريق جبل الكهف.
كان الأثر واضحا وتبع الفريق الكلب لمسافة نحو ثلاثة كيلومترات. ثم انعطف الطريق فجأة بمحاذاة واد عميق قرب مجرى جدول قديم جاف يصب في نهر بافالو. عند تلك النقطة تغير سلوك الكلب فجأة بدأ يدور في مكانه ويشم الحصى دون أن يجد أثرا واضحا. لم يقد الأثر إلى الغابة ولا إلى الوادي بل توقف فجأة في منتصف الطريق.
درس فريق الأدلة الجنائية المكان ساعات طويلة لكن سطح الحصى لم يكشف شيئا لا آثار فرملة ولا عراك ولا قطرات دم. وقد اتصل هاتف ميا بآخر برج إرسال عند الساعة التاسعة وخمس عشرة صباحا ثم اختفت الإشارة بعد ذلك. لم تصل ميا غريفيث أبدا إلى ويكر بوينت بل اختفت في منتصف الطريق نحو هدفها تاركة المحققين أمام ملف سرعان ما وضع في الأرشيف تحت عنوان غير محلول.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.