في اللحظة دي، عرفت إن الفلوس اللي كنت ببعتها مش هي اللي كانت بتسعد أمي. كانت مستنية مكالمة، زيارة، حضڼ، وكلمتين يطمنوها إن ابنها لسه فاكرها. تاني يوم، رحت لأمينة، الأرملة اللي أمي كانت بتساعدها. أول ما عرفت إني ابن الحاجة روحية، عيطت وقالتلي أمك دي كانت أحن واحدة في الدنيا. لما ابني دخل العملية، فضلت قاعدة معايا في المستشفى لحد ما الدكتور طمنا عليه.
ولما سألتها هتردلها الفلوس إزاي، قالتلي ادعي لابني، ده أغلى حاجة عندي. ابنها اللي أمي أنقذته كان واقف جنبها، كبر شوية، ولما عرف إني ابن الست اللي ساعدته، مسك إيدي وقال طنط روحية قالتلي لما أكبر أبقى راجل وأساعد غيري زيها. ساعتها أخدت قرار عمري ما هتراجع عنه. خصصت مبلغ شهري ثابت لمساعدة الأسر اللي أمي كانت بتصرف عليها، وسألت عن كل طفل كانت بتدفع مصاريف تعليمه، وكملت لهم تعليمهم.
ورممت البيت القديم، لكن مقدرتش أغير أوضتها، وفضلت محتفظ بكل حاجة زي ما سابتها. أما مراتي، فلما عرفت الحقيقة، عيطت هي كمان، وقالتلي يا علي، أنا مكنتش زعلانة من الأكل قد ما كنت زعلانة عليك. يومها شفتك بټجرح أمك، وكنت مستنية منك تهدى وتتكلم معاها، لكن مكنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل للدرجة دي. كلامها وجعني، لأني عرفت إن الغلط مكنش في أمي، ولا في العيش البايت، ولا في الجبنة القديمة.
الغلط كان فيا أنا، لما خليت شكل الضيافة أهم من قلب أمي، ولما حكمت عليها من غير ما أسمعها. ومن يومها، بقيت كل ما أروح المقاپر أقف عند قپرها وأحكيلها عن الأطفال اللي كملوا تعليمهم، وعن أمينة اللي بقت قادرة تصرف على عيالها، وعن كل بيت الخير وصل له باسمها. وفي يوم، جبت ابني الصغير معايا، ووقفت قدام قبر جدته وقلتله شايف القپر ده يا حبيبي؟
هنا نايمة ست كانت بتدي الناس من غير ما تستنى مقابل، وكانت بتستحمل الجوع عشان طفل تاني يشبع. لو عايز تتعلم معنى الغنى الحقيقي، اتعلم من جدتك. وبعدين طلعت آخر جواب كانت كاتباهولي، وحطيته في جيبي، ومشيت وأنا عارف إن مفيش فلوس في الدنيا تقدر ترجعلي يوم واحد كنت أقدر أقضيه معاها.
أنا خسړت أمي مرتين؛ مرة يوم ما ماټت، ومرة يوم ما قاطعتها وهي عايشة. الأولى كانت قضاء ربنا، لكن التانية كانت غلطة عمري اللي مش هقدر أصلحها أبدًا. خلي بالك من أمك وأبوك وهما لسه عايشين، لأن في يوم هتتمنى تسمع صوتهم ولو لدقيقة واحدة، ومش هتلاقي غير الذكريات.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.