ضحكت الجدة بخفة وقالت الدنيا صغيرة يا بني… والطرق التي نظن أننا لن نسلكها مرة أخرى، قد تعيدنا إليها بعد سنوات. وقف الرجل للحظات، ثم لم يستطع كبح فضوله الذي ظل يرافقه طوال سنوات عمله. كان هناك سؤال واحد ظل عالقًا في ذهنه منذ أيام شبابه، سؤال لم يجد له إجابة رغم كل محاولاته.
اقترب منها قليلًا وقال بهدوء أخبريني شيئًا واحدًا فقط. نظرت إليه باستغراب. تابع كنتِ دائمًا تنقلين شيئًا عبر الحدود في ذلك الكيس. سكت لحظة، ثم ابتسم وقال أتذكر أنك كنت تأتين بدراجتك القديمة، ويكون ذلك الكيس معك دائمًا. هزت رأسها ببطء. قال أرسلنا الرمل للفحص مرات كثيرة. فتشنا الأكياس، وفحصنا محتوياتها، وأخذنا عينات منها، وقلبناها مرات ومرات. ثم ضحك وقال لكننا لم نصل إلى شيء.
تنهد، وأضاف كنت أعمل وقتها في الجمارك، وكان الموضوع يثير شكوكي باستمرار. كنت أقول لنفسي لا يمكن أن تعبر الحدود كل هذه المرات وتحمل شيئًا معها ولا نكتشفه. ثم نظر إليها مباشرة وقال أنا متقاعد الآن، ولن أخبر أحدًا. أريد فقط أن أعرف الحقيقة. ماذا كنتِ تنقلين طوال تلك السنوات؟ ظلت الجدة صامتة للحظات. نظرت إلى الرجل، ثم نظرت إلى دراجتها القديمة التي كانت تقف إلى جوارها.
كانت الدراجة تبدو عادية جدًا. قديمة، بسيطة، ومليئة بآثار الاستخدام. ثم انفجرت الجدة في ضحكة قصيرة. ضحكة جعلت الرجل أكثر حيرة. قال لماذا تضحكين؟ اقتربت من الدراجة، وربتت برفق على مقودها، وقالت لأنكم كنتم تبحثون في المكان الخطأ طوال الوقت. عبس الرجل. وقال ماذا تقصدين؟ ابتسمت وقالت أنتم فحصتم كل شيء إلا الشيء الأهم. سألها وما هو الشيء الأهم؟ أشارت إلى الدراجة. هذه. لم يفهم. نظر إلى الدراجة، ثم عاد ينظر إليها.
قال الدراجة؟ أومأت برأسها. نعم… الدراجة. سكتت قليلًا، ثم قالت هذا ما كنت أنقله. اقترب الرجل منها أكثر، وكأنه لم يسمع جيدًا. ماذا؟ قالت بهدوء كل شيء كنت أهربه كان بداخلها. تجمّد في مكانه. ظل ينظر إلى الدراجة وكأنه يراها للمرة الأولى. ثم قال مستحيل. ضحكت الجدة. بل صحيح. أخذ الرجل نفسًا طويلًا، ثم بدأ يضحك وهو يهز رأسه غير مصدق.
قال كل تلك السنوات… كنا نفتش الأكياس. نفحص الرمل. نرسل العينات للمختبر. ونعيد التفتيش مرة بعد مرة. ثم نظر إلى الدراجة وقال بينما الشيء الذي كنا نبحث عنه كان أمامنا طوال الوقت! ضحكت الجدة وقالت بالضبط. قال الرجل لكن كيف لم يخطر ببالنا ذلك؟ أجابته لأنكم كنتم تبحثون عن شيء مخفي داخل الكيس.
ولم تفكروا يومًا أن الشيء الذي تبحثون عنه قد يكون هو الشيء الذي تستخدمونه كل يوم دون أن تنتبهوا إليه. ظل الرجل صامتًا. بدأ يستعيد في ذهنه كل المرات التي مرت فيها الجدة من أمامه. كان يتذكر كيف كانوا يأخذون الكيس منها. كيف كانوا يفتحونه. كيف كانوا يفحصون الرمل حبة حبة. كيف كانوا يسألونها من أين جاءت وإلى أين تذهب. ثم يعيدون إليها الكيس ويسمحون لها بالعبور.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.