ساعة العصر، وصلت عربيتين ونزل منهم حمايا، وأخو محمود الكبير، ومحمود وراهم.. وشه الأرض مش قادرة تشيله، باصص تحت رجليه، هيبته اللي كان بيفرضها عليا بالزعق والبخل اتمحت تماماً، وبقى زي التلميذ المذنب اللي رايح يتعاقب. دخلوا المندرة، وسلموا، وطبعاً عيلتي استقبلتهم ببرود يليق باللي محمود عمله. حمايا، الراجل الكبير، مسبش فرصة للكلام، أول ما قعد بص لأبويا وقال بصوت كله خجل: “يا حاج أحمد، إحنا ملناش عين نتكلم، واليوم اللي محمود ابني يفكر فيه يستخسر اللقمة فيك، يبقى يوم أسود في تاريخ عيلتنا.
إحنا جايين ورجلينا فوق رقبتنا، والولد ده غلطان من ساسه لراسه، وإحنا تبرينا من عملته قدام القاصي والداني، وجايين نطلب السماح منك ومن بنتك، وأي شرط هتقوله، إحنا باصمين عليه بالعشرة قبل ما ينطق”.عمي.. أنا الشيطان عماني، ومكنتش قاصد، أنا شاري بنتك ومقدرش أعيش من غيرها”. أبويا سكت خالص، وفضل يشرب من كباية الشاي بمنتهى الهدوء، والصمت ده كان بياكل في أعصاب محمود أكل.
بعد دقيقتين كاملين من السكوت، أبويا حط الكباية، وبص لمحمود وبص لحمايا وقاله: “يا حاج، إحنا بنشتري الراجل ومبنبصش للقرش، بس لما القرش يبقى أغلى من الأصول ومن كرامة أهل بيته، يبقى الراجل ده محتاج يتربى من أول وجديد في بيوت الأصول. بنتي مش هترجع الشقة الجديدة دي إلا بشروط، والشروط دي مش عشان نذل ابنك، الشروط دي عشان نضمن إن بنتي متجوعش ولا تتهان تاني في بيته”.
حمايا رد بسرعة: “قول شروطك يا حاج، وكلنا سامعين”. أبويا طلع ورقة وقلم من جيبه، وبدأ يملي الشروط اللي كنا مرتبينها، وكان كل شرط بينزل على دماغ محمود زي المرزبة: “أولاً: محمود هيمضي على وصل أمانة بمبلغ محترم قيمته تضمن كرامة بنتي، وبيتكتب في عقد بره إن الوصل ده حماية ليها ضد أي تقصير في بيتها من أكل أو شرب أو علاج.
ثانياً: مصروف البيت هيتحدد بمبلغ شهري ثابت وواضح، يتدفع لبنتي في إيدها أول كل شهر، ملهاش دعوة بظروفه ولا بأعذاره، وهي اللي تدير البيت بمعرفتها ومن غير ما يحاسبها على اللقمة والبرتقانة. ثالثاً: بنتي ليها ذمة مالية تشتري لبسها وتخرج وتزور أهلها من غير ما تقعد تترجاه في المليم، وهيتحط لها مبلغ شهري خاص بيها هي شخصياً مالوش علاقة بمصاريف البيت”.
محمود أول ما سمع الشروط دي، وشه جاب ميت لون، وبدأ يتنفس بسرعة وبص لأخوه ولأبوه كأنه بيستنجد بيهم.. المصاريف دي والشروط دي بالنسبة لواحد بخيل زيه كانت بمثابة حكم بالإعدام على فلوسه اللي كان بيعبدها. حاول يتكلم وقال: “بس يا عمي.. المبلغ ده كتير عليا، وإحنا لسه ناقلين..” وقبل ما يكمل كلمته، أبوه خبط بالبنديرة على التربيزة وزعق فيه قدام الكل: “اخرس خالص!
متفتحش بقك بنص كلمة، الشروط دي هتمضي عليها ورجلك فوق رقبتك، وإلا قسمًا بالله العظيم لا أنت ابني ولا أعرفك، والشنطة اللي مرتك لمتها دي هترجع تاخد باقي حاجتها من الشقة ونطلقها منك بكرة في المحاكم ونفضحك في وسط بلدك!”.محمود بلع ريقه، وبص للورقة اللي قدامه، وبص لأبويا اللي كان قاعد وباصص له بنظرة تحدي وثبات.
. محمود لقى نفسه بين نارين: إما إنه يدفع ويمضي ويتحجم طول عمره، وإما إنه يخسر كل حاجة وفضيحتة تبقى بجلاجل وخسارته هتبقى أكبر بكتير. مسك القلم وإيده بترعش، ومضى على الشروط وعلى التعهد قدام كبار العيلتين.. وفي اللحظة دي أنا كنت واقفة ورا الستارة، والابتسامة مالية وشي، وعرفت إن محمود البخيل اتكسر كسرة مش هينساها طول عمره.
لكن وأنا بجهز نفسي عشان أرجع معاه القاهرة تالت يوم، اكتشفت حاجة في الشقة وفي حسابات محمود القديمة مكنتش على البال ولا على الخاطر.. حاجة خلتني أدرك إن بخله مكانش مجرد حرص، ده كان وراه سر أسود وكبير أوي، سر لو اتكشف هيهد البيت على دماغنا بجد!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.