بس من جوايا، كنت برتب لحاجة تانية خالص، حاجة تخليه يندم على الكلمة دي. تاني يوم، أبويا وصل ونور الشقة. راجل طيب وعلى نياته، دخل ومعاه شنطة كبيرة فيها زيارة كاملة؛ فطير مشلتت من بتاع الفيوم، وعسل، ومش، وبيض بلدي، وخير ربنا كله. جوزي استقبله ببرود، ويادوب قعد يفتح في الشنطة ويعد في الزيارة بعينيه، ومستقلها كمان!
كأنه بيثمن الحاجة، ومكلفش خاطره حتى يقول لأبويا “نورتنا” بقلب صافي. قعدت مع أبويا وقدمت له كباية العصير زي ما البيه أمر، وفضلنا نتكلم. لحد ما جيه ميعاد الغدا، والوقت سرقنا، وأبويا طبعاً حس بحرج شديد، وحس إن البيت مفيش فيه ريحة أكل بتطبخ، وهو عارف جوزي وبخله كويس. فقام وقف وقال وهو بيطبطب عليا: “يلا يا بنتي، أنا لازم أمشي عشان ألحق المواصلات قبل الليل ما ليل، وأنا أصلاً ماليش نفس ومبقدرش آكل بره البيت”.
أنا قلبي اتعصر من منظر أبويا وهو حاسس إنه تقيل على بيت بنته. وقفت بسرعة وقلت له: “تمشي فين يا بابا؟ ده أنت منورنا، ثواني بس أنا عملت حسابي في حاجة عشانك مخصوص”. جوزي بصلي باستغراب ووقف متنح ومش فاهم أنا بتكلم عن إيه، لانه واثق إن المطبخ ميهوش حاجه تتقدم بس انا مكنتش مجهزاله اكل ولا شرب انا غبت يادوب كام دقيقة.
. وخرجت وفي إيدي المفاجأه اللي قسمت ضهر محمود.. حاجة أول ما شافها، عينه طلعت لبرة، ووشه جاب ميت لون، الصدمة والذهول لجموا لسانه، وقف مبرق ومش قادر ينطق و خرجت وفي إيدي المفاجأة اللي قسمت ضهر محمود.. كنت شايلة الشنط الكبيرة اللي أبويا لسه جايبها معاه والزيارة اللي محمود كان بيعدها بعينيه ومستقلها.
حطيت الشنط كلها قدام أبويا، وبمنتهى الثبات والبرود بصيت لمحمود وقولتله: “أنا أسفة يا بابا، أصل محمود قالي امبارح إن الشقة الجديدة وال نقل هدو حيلنا، وإننا مش قادرين نعمل غدا يليق بمقامك، وقالي نصاً: لو أبوكي عاوز ياكل يجيب غداه معاه وهو جاي! وأهو أنت يا حبيبي جيبت غداك وخيرك معاك وزيادة، فمعلش بقى، افتح شنطتك وطلع الفطير والمش والبيض عشان نتغدى كلنا من خيرك، أصل جوزي مش عامل حسابه في لقمة واحدة في بيته!
” في اللحظة دي، الغرفة كلها ساد فيها صمت قاتل. محمود وشه جاب ميت لون، وبقى يبصلي وعينيه طالعة لبرة من الصدمة، مكنش متخيل أبدًا إن السكوت والبرود اللي كنت فيهم امبارح كانوا الهدوء الذي يسبق العاصفة، ولا كان يتوقع إني هملك الشجاعة والجرأة إني أعرّيه قدام أبويا وأكشف بخله وسواد قلبه بالوضوح ده.
كان واقف مبرق، لسانه اتلجم تماماً، وبقى يتلفت حوالين نفسه زي الفأر المحبوس في مصيدة، يحاول ينطق، يبرر، يقول إنها كانت هزاار أو إنه مقصودش، بس الكلمات ماتت في حلقه. أما أبويا، فالصدمة على وشه كانت أقوى وأعمق. الراجل الطيب اللي جاي من سفر ومسافة عشان يطمن على بنته ويشوف شقتها الجديدة، تترد له الزيارة بكلمة تجرح كرامته وتهز هيبته!
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.