بص لأمه، وشاف كسرتها ودموعها، وبص لأخته اللي بقت تبص له بقرف واشمئزاز. دخل أوضته القديمة، اترما على السرير الساقع، وغطى وشّه بكتفيه. طوال الليل، كان بيسمع صوت عقله بيحاكمه. يتذكر كلامه زمان لأهله بصوت مليان غرور: *”أنا مسافر، ومش راجع مصر أعيش معاها… وهي بقى تستنى، خليها معلقة عشر سنين.”* ويتذكر كلام طارق في المطار: *”شفت مين فينا اللي اتحبس في الآخر؟ أنت اللي حكمت على نفسك بالسجن والفضايح.
”* أدرك إنه كان السجين الحقيقي طوال الأربع سنين دي. هي كانت عايشة، بتكبر، بتتجوز، بتخلف، وبتسافر وتتمتع بالحلال، وهو كان محبوس جوه عقليته المريضة وفكرته الخايبة. عدّت الأيام… عرض الشقة للبيع في المزادات القانونية قرب، والفلوس راحت لزوجته السابقة بالكامل مع التعويضات، واستلمت كل حقوقها القانونية وهي قاعدة في بيتها المكرم في قطر، من غير ما تتعب ولا تنزل مصر ولا تشوف وشّه!
وبعد شهرين من القهر والندم، كان قاعد في قهوة صغيرة بعيدة عن منطقته، مش عايز حد من أصحابه القدامى يشوفه. دقنه طالت، هدومه بقت دبلانة، والقرشين اللي باقيين معاه من السعودية بيخلصوا. وفجأة… شاف تليفونه بيرن. الرقم كان غريب… رقم مصري. فتح الخط بملل وبصوت ميت: “ألو…” جاله صوت محامي طارق والزوجة، محامي هادي وراسي، قال له بوضوح: ” الأستاذ (فلان)؟
” رد بالراحة: “أيوه… خير؟ عايزين منّي إيه تاني؟ ما أخدتم الشقة والفلوس والقضايا وكل حاجة!” المحامي رد عليه بكلمات كانت هي الستار اللي بيترفع عن الفصل الأخير من حياته: “أنا بكلمك بطلب شخصي من موكلتي، الزوجة السابقة للباشمهندس طارق… بعد ما استلمت حقوقها القانونية والمادية بالكامل من المزادات والأحكام، بعتت لي توكيل خاص.
هي قررت تتنازل عن باقي القضايا الفرعية وبلاغ الاعتداء اللي كان معمول لك في مطار القاهرة، وبعتت لك المبلغ المتبقي من قيمة الشقة بعد استيفاء حقها، وفوقيهم رسالة صغيرة مكتوبة بخط إيدها…” الزوج القديم اتسمر في مكانه، الدموع جمدت في عينيه، ورجله بدأت ترتعش. قال بصوت مكسور ومبشوح: “رسالة…؟ رسالة إيه؟!
” المحامي فتح المظروف وقرأ له الرسالة النصية اللي سابتها له الزوجة قبل ما تقفل صفحة حياته معاه للأبد… رسالة هتكون هي القاضية والمفاجأة الكبرى اللي هتحسم كل شيء في الجزء الخامس والأخير! ساد الصمت في التليفون، والزوج القديم مسك سماعة الموبايل بإيد بترتعش وشفتين جافتين. كان حاسس إن كل أنفاسه اتجمعت في لحظة سماع الرسالة دي، الرسالة اللي هتكون آخر خيط بيبرمه الماضي مع الحاضر.
المحامي أخد نفس عميق، وبدأ يقرأ كلامها بصوت هادي وواضح: «لما سبتني وسافرت وقيل لي إنك بتقول لأهلك “خليها معلّقة عشر سنين”، كنت فاكر إنك طفيت نوري وكسرت حياتي. قضيت شهور عياط ورعب، لحد ما اكتشفت إنك ما كنتش ساجن غير نفسك. المحكمة ما أدتنيش بس الخلع وحقوقي… المحكمة كشفت لي إن طريقي كان مقفول بوجودك، وأول ما اتقفل بابك، ربنا فتح لي أبواب الفرح والستر.
أنا مش واخدة فلوسك وحق الشقة عشان محتاجة فلوس، أنا أخدت حقي عشان أثبت لك إن الظلم له ثمن، وإن القانون والدين مش العوبة في إيد الرفض والغرور. الفلوس المتبقية من الشقة دي أنا متنازلة لك عنها، ومش عايزة منك ولا مليم. التنازل عن بلاغ المطار والمحاضر هتوصلك من المحامي، مش عشان خاطرك… ولكن لأن حياتي مع طارق وأولادي أغلى وأرقى بكتير من إني ألوثها بالمحاكم وجلساتك.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.