خطيبي حكايات روماني مكرم ٣

نُشر منذ 3 أسابيع
حفظ
غلاف المقال

خطيبى حكايات رومانى مكرم 3 مرّت الأيام متلاحقة، وبدأت مريم وطارق في خطوات إعداد عش الزوجية بكل شغف وانسجام. كان طارق يحرس أن يشركها في كل تفصيلة، من اختيار ألوان الجدران إلى أثاث المنزل، مؤكداً لها في…


خطيبى حكايات رومانى مكرم 3

مرّت الأيام متلاحقة، وبدأت مريم وطارق في خطوات إعداد عش الزوجية بكل شغف وانسجام. كان طارق يحرس أن يشركها في كل تفصيلة، من اختيار ألوان الجدران إلى أثاث المنزل، مؤكداً لها في كل موقف أن هذا البيت يُبنى ليحتضن را حتها وكرامتها قبل أي شيء آخر.

كانت مريم تعيش حالة من السلام النفسي لم تذقها من قبل؛ نضارة بشرتها وصحتها ورشاقتها أصبحت جزءاً أصيلاً من أسلوب حياتها اليومي، ليس بدافع الانتقام كما كان في البداية، بل حبّاً في ذاتها وتكريماً لجسدها الذي تحمل الكثير.

أما حازم، فقد كان ينزرف في قاع من الضياع لا قاع له. استقالته من عمله وعزلته قاتلة الشارع جعلا أفكاره تتآكل. صار يمشي في الطرقات كالمطارد، يُخيل إليه أن الشوارع والبيوت والمارة يتغامزون عليه، يشيرون إلى الرجل الذي فرّط في النعمة يوم مرضها وهوانها، ثم جثا على ركبتيه ينحب كالأطفال حين أشرقت بجمالها وعزتها في يد غيره.

في أحد أيام الشتاء الباردة، كان طارق ينقل بعض المستلزمات إلى الشقة الجديدة التي تقع في بناية راقية في الحي المجاورة. ولأنه كان يود أن تفاجأ مريم باللمسات الأخيرة، طلب منها أن تأتي برفقة والدتها لرؤية المنزل بعد اكتمال تجهيزه.

ارتدت مريم معطفاً أنيقاً باللون البيج يبرز طولها وقوامها المنسق، ووضعت لمسات مكياج هادئة أظهرت عينيها الكحيلتين وجمال بشرتها النضرة. نزلت من بنايتها بثقة ورقة، وكانت السعادة ترتسم على وجهها كضوء الصباح. لكن الشارع لم يكن خالياً.

كان حازم يجلس في سيارته القديمة الرابضة في زاوية الشارع، يراقب مدخل بنايتها بنظرات ذابلة وعينين غائرتين من السهر والتفكير. عندما رآها تخرج وتستقل سيارة الأجرة برفقة والدتها، جن جنونه. كان يُمني نفسه بكل لحظة يراها فيها، وكأن رؤيتها هي المخدر الوحيد لندمه المشتعل.دون أن يفكر، أدار محرك سيارته وتبعهما عن بُعد، يتتبع أثرها كالمقيد بسحر لا يستطيع الفكاك منه.

وصلت مريم ووالدتها إلى البناية الجديدة، وصعدتا إلى الشقة حيث كان طارق في انتظارهما بابتسامته الدافئة وباقة ورد حمراء استقبل بها مريم. دخلت مريم الشقة، وكانت الانبهار يملأ عينيها؛

طارق صمم كل ركن كما كانت تحلم تماماً، بل وأضاف زاوية خاصة لها مليئة بالكتب والزهور الجافة التي تحبها. وقفت مريم في منتصف الصالة، ونظرت إلى طارق بامتنان وعينين تلمعان بالدموع:"أنا مش عارفة أقولك إيه يا طارق.. إنت عوضتني عن كل لحظة وجع شفتها في حياتي.

"مسك طارق يدها برفق واحترام وقال بصوت حنون:"إنتِ ما تستاهليش غير الكرم والعز يا مريم. اللي يشوف جوهرك وما يشيلكيش في عينيه، يبقى ما بيفهمش في الأصول ولا يستاهل يكون راجل في حياتك."في هذه اللحظة بالذات، كان حازم قد صعد درجات البناية بخطوات مرتجفة.

كان الباب المفتوح قليلاً للنقاشين والعمال يتسلل منه صوت طارق وضحكات مريم الصافية. تقدم حازم بخطوات ثقيلة كأنه يسير على جمر موقد، وقسّم نظراته من فتحة الباب. رآها.. رآها وهي تقف في الشقة الجديدة، تضحك بحرية، وتبتسم للرجل الذي صانها واحتواها.

رأى كيف يحيطها طارق بنظرات الأمان والرعاية، وكيف تتفتح أنوثة مريم وجمالها الصافي في حضوره كزهرة وجدت أرضاً طيبة وماءً نقياً. تذكر حازم شقته الضيقة الضائعة، وتذكر كلامه المسموم يوم كان يراها مجرد خادمة لشغله ومصاريف جوازه، يوم نعتها بـ "التخينة" و"القرفة".

تذكر كيف غرس السكينة في قلبها وهي تعاني الحمى والصعد، وأدرك في هذه اللحظة القاسية أن مريم لم تكن ناقصة أنوثة ولا جذابة، بل كان هو الأعمى الذي لم يَرَ النور إلا بعد أن انطفأ في بيته وأضاء في بيت غيره.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
Donia Ashraf

Donia Ashraf موثّق ✦ ناشر

كاتب

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
683مقالًا 3متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

مقالات ذات صلة

بعد ما تبرعت روايات

بعد ما تبرعت

بعد ما اتبرعت بدم عشان أنقذ جوزي المستقبلي، لمحت اسمي مكتوب على كيس الدم جوه صندوق تبريد. …

Donia Ashraf 0.0 8 دقائق
الحلاق ابني روايات

الحلاق ابني

الحلاق بتاع ابني اللي عنده 9 سنين وطى عليا بعد ما خلص حلاقة وهمسلي لما تروحي البيت بصي ورا…

Donia Ashraf 0.0 13 دقائق