ديفيد ناداني عشان أطلع جنبه على المسرح. طلعت بخطوات ثقيلة، قلبي بيلعب وجسمي كله بيترعش. سلم عليا وأداني درع ذهبي كبير مكتوب عليه اسمي بكلمات من التقدير. لكن قبل ما أنزل من على المسرح، ديفيد مسك المايك تاني وقال: “لكن التكريم ده مش كل حاجة.. رمضان رفض يتقاضى أي أجر أو مكافأة مالية في مصر، وأصر إن أمانته مالهاش ثمن..
وعشان كده، إحنا كرؤساء مجلس إدارة المؤسسة، قررنا نرد له الجميل بطريقة تليق بأمانته وتضمن له ولأسرته حياة كريمة طول العمر.” ديفيد طلع وثيقة قانونية كبيرة ومقننة، وبصلي وبدأ يشرح المفاجأة المذهلة اللي أعدوهالي، وهي المفاجأة اللي خلاني أقف مشدوه على المسرح مش قادر أنطق بكلمة واحدة من صدمتها! وقف ديفيد على المسرح وهو ماسك الوثيقة الرسمية، وبصلي وبص للجمهور اللي كان مستني يستوعب إيه هي المفاجأة.
المترجم قرب من ودني وهو بيترجم كل كلمة ونبرة صوت بتخرج من ديفيد: “السيدات والسادة.. العم رمضان رفض ياخد أي مقابل مالي لقاء أمانته، وكان شايف إن إنقاذ حياة بنتي هو أجر في حد ذاته. لكن إحنا مش ممكن نسيب رجل بالنبل ده يرجع يصارع قسوة الحياة اليومية على توك توك تهالك من أجلنا.
عشان كده، المؤسسة الطبية بالتعاون مع رجل أعمال مصري مغترب في ألمانيا، قرروا الآتي: أولاً: تخصيص دخل شهري ثابت ومستمر للعم رمضان مدى الحياة، يُصرف من عائدات مشروع الأبحاث الطبي، كشريك أدبي وأخلاقي رئيسي في نجاح هذا العلاج. ثانياً: تكفل المؤسسة بالكامل بمصاريف تعليم أبنائه حتى تخرجهم من الجامعات، مع توفير سيارة حديثة ومجهزة ليعمل عليها أو يؤجرها لتكون مصدـ,,ـــر رزق كريم له ولأسرته في أسوان.” القاعة انفجرت مرة ثانية بالتصفيق والتهليل.
أنا في اللحظة دي ركبي مكنتش شيلاني، الدموع نزلت من عيني زي المطر. افتكرت الأيام اللي كنت بلف فيها الشوارع بالتوك التوك تحت الشمس الحارقة، وبحسب القرش بالقرش عشان أوفر أكل لعيالي وأدفع إيجار البيت. افتكرت لما الفلوس كانت بين إيدي في الشنطة والخواطر الصعبة، وكيف إن ربنا بيعوض الصابر والأمين بأضعاف أضعاف ما كان يحلم! نزلت من على المسرح وأنا حاسس إني طاير في السماء.
مراتي كانت بتعيط وتدعي برفع إيدها فوق، والأطباء والضيوف يسلموا عليا ويتصوروا معايا كأني بطل عالمي. قضينا أسبوع في ألمانيا، الدكتور ديفيد وعيلته مسبوناش لحظة واحدة. فسحونا وورونا معالم المدينة، وإيما البنت الصغيرة كانت دايماً ماسكة في إيدي وبتقولي بلغة أطفال جميلة: “Uncle Ramadan”. ولما جه وقت الفراق والرجوع لمصر، ودعونا في المطار بالدموع والوعود إنهم هيزورونا في أسوان كل سنة في موسم الشتاء.
ركبنا الطيارة وراجعين، وفي إيدي الدرع الذهبي وفي قلبي فرحة وسكــ,,ـــــينة ملهمش حدود. مراتي بصتلي في الطيارة وقالتلي: “يا رمضان.. افتكرت لما قلتلي في البيت إن الفلوس دي محتاجينها بس مش بتاعتنا؟ ربنا أدانا الحلال وراحة البال والستر اللي يعيشنا ونعيش عيالنا في عز.” وصلنا مطار القاهرة، ومنه لأسوان.. أول ما نزلت الموقف في منطقتنا، اتفاجئت بإن زمايلي سواقين التوك التوك وأهل الحارة عاملينلي استقبال بالدفوف والمزمار البلدي!
علقوا زينة في الشارع، والكل جاي يبارك ويهني لعمهم رمضان اللي رفع رأس البلد كلها بأمانته. وبعد أيام قليلة، استلمت السيارة الجديدة، وبدأت أجهز ورقي وأموري مع الجمعية اللي هتفتتح المركز الطبي الخيري في أسوان. كل حاجة في حياتي اتغيرت للأحسن، وبقيت أقف كل يوم قدام بيتي، أبص للتوك التوك القديم المركون على جانب الطريق، وأبتسم.. لكن القصة مكنتش لسه انتهت تماماً؛
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.