وصلت وطلعت السلم جري، وبقيت أخبط على الباب بهستيريا وصوت عالي: “منى! يا طنط! افتحوا.. ليلى جرالها إيه؟” الباب اتفتح ببطء.. بس مكنتش حماتي ولا منى ولا خالها. اللي فتحت الباب كانت جارتهم، ووشها كان مقلوب وبتنهج، وأول ما شافتني حطت إيدها على صدـ,,ـــرها وقالت بلهفة وفزع: “الحق يا استاذ طارق.. منى وبنتها في المستشفى بين الحيا والمــ,,ـــــوت!
” الأنوار الحمراء كانت بتطفئ وتنور برعب، وصوت صفارة جهاز ضــ,,ـــــربات القلب طالع من جوة الأوضة زي حكم إعدام بيتنقش في صدـ,,ـــري. الممرضات داخلين طالعين بيجروا، وفي وسط الزحمة دي شفت الدكتور وهو بيضغط على صدـ,,ـــر ليلى الصغير بصوابعه.. حتة اللحمة دي كانت بتتهز بين إيديه وهي غايبة عن الدنيا تماماً. أمي رمت نفسها في الأرض وبقت تمرغ وشها في التراب وهي بتصرخ بصوت مكتوم: “يارب خذ عمري أنا.
. أنا الست العاصية اللي اتجبرت وظلــ,,ـــــمت.. سيب البت لـ أمها وأبوها يا رب وفك كربهم!” وحماتي كانت ساندة راسها على الحيطة وبتتشاهد بدموع حارقة، وخال منى واقف يداري دموعه ورا كفه. أنا مكنتش حاسس بوجودي.. كنت باصص للسقف وبقول: “يارب، لو دي عقوبتك ليا عشان كسرت بخاطر منى وجيت عليها، أنا راضي بأي حاجة.. بس بلاش بنتي.. بلاش ليلى.” عدت عشر دقايق كأنهم عشر سنين، لحد ما الصفارة المستمرة لجهاز القلب رجعت تقطع تاني.
. “بيك.. بيك.. بيك”. الحركة جوة بدأت تهدى، والدكتور وقف وهو بيمسح عرق جبينه، وبص لنا من ورا الزجاج وهز راسه بالإيجاب.. النبض رجع واستقر، بس المحنة مخلصتش. الدكتور خرج وجسمه هدمه عرقان، قرب مني وقال بنبرة هادية بس جادة: “الحمد لله، نجحنا في الإنعاش والنبض استقر.. بس البنت دخلت في غيبوبة مؤقتة نتيجة نقص الأكسجين اللي حصل، والـ 48 ساعة الجايين هما عنق الزجاجة.. لو عدوا من غير هبوط تاني، البنت هتقوم بالسلامة.
” زي ما يكون ربنا أراد يديني أمل وسط الضلمة. في نفس اللحظة، ممرضة خرجت من العنبر التاني وجريت علينا وقالت: “أستاذ طارق؟ الأستاذة منى فاقت وبتتكلم.. وعمالة تصرخ وتنده على بنتها، وحالتها النفسية مخلية ضــ,,ـــــربات قلبها سريعة وغازات الدم بتسوء.. لازم حد يدخل يطمنها.” حماتي مكنتش قادرة تقف على رجليها، وبصتلي وقالت: “ادخلها أنت يا طارق.. أنت اللي كنت أمانها في يوم من الأيام، يمكن صوتك يهديها.. طمنها على البت وماتقولهاش إن قلبها وقف.
” مشيت ورا الممرضة ورجلي بتتحرك في ممر المستشفى كأني رايح لـ محكمتي. دخلت الأوضة.. منى كانت قاعدة على السر,,ـــــير، وشها أصفر زي الليمونة، ومركبة خراطيم أكسجين في مناخيرها، ومحاليل في الإيدين الاتنين. أول ما الباب اتفتح وعينها جت في عيني، شفت في ملامحها نظرة خوف ورعب مكنتش منى القوية القاسية بتاعة مكتب المحامي.. كانت “الأم” اللي خايفة على ضناها.
حاولت تقوم وهي بتنهج وتقلع الأكسجين: “ليلى فين يا طارق؟ بنتي جرالها إيه؟ أنطق.. بنتي ماتت صح؟ أنا حاسة بـ نــ,,ـــــار في صدـ,,ـــري.. بنتي ماتت!” جريت عليها ومسكت إيدها المليانة محاليل، وبستها بدموع وعياط هستيري: “والله العظيم عايشة وموجودة في الحضانة جوة.. النبض مستقر والدكاترة بيقولوا هتبقى زي الفل.. اهدي عشان خاطري وعشان خاطرها.
. ليلى محتاجاكي تقومي.” منى بصت في عيني أوي، وكأنها بتقرأ الصدق من الكدب.. لما لقت دموعي ورعشة إيدي، بدأت تهدى ونفسها المنتظم يرجع لها بالتدريج. سحبت إيدها براحة من بين إيديا، وبصت للسقف وقالت بصوت مكسور ومبحوح من أثر الغاز: “الحمد لله.. يارب اشفيها واحميها.” قعدت على الكرسي جنبها وأنا باصص للأرض ومكسوف أرفع عيني فيها. قلت لها بصوت واطي: “منى.. أمي بره.. أمي منبارح راكعة في الأرض بتدعي ل ليلى.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.