دخلت سكرتيرتي وقالت لي بنبرة مترددة: — أستاذة مريم… فيه واحدة بره مصرّة تقابلك، بتقول إن اسمها نهى، ومش هتمشي إلا لما تشوفك دقيقة واحدة بس. توقفتُ عن الكتابة. الاسم كان يحمل صداً بعيداً من الماضي البشع. تنفستُ بهدوء وقدرة على المواجهة وقلت: — خليها تدخل يا سمر. دخلت نهى. كانت مختلفة تماماً عن المرة الأولى؛ كانت ترتدي ملابس بسيطة وقورة، ووجهها يحمل ملامح التعب لكن مع قدر من السكــ,,ـــــينة والهدوء.
لم تعد تلك المرأة الخائفة والمذعورة التي تعتمد على أموال الحرام. قفتُ أمام مكتبي، وبصيتُ لها بثبات: — خير يا نهى؟ نهى وقفت عند الباب، ولم تتقدم خطوة واحدة احتراماً لمكاني، وقالت بصوت هادئ ومكسور: — أنا مش جاية أطلب منك حاجة يا مريم… ولا جاية أفتح أوراق قديمة. أنا عرفت إنك فتحتي الشركة دي ونجحتي، وجيت بس أقولك إن حقك ورجوعك لذاتك كان الدرس الأكبر ليا في الحياة.
سكتت لحظة وتابعت: — أنا تنازلت عن كل حاجة كانت بيني وبين أحمد، وأخدت ولادي ونقلت في مكان بسيط شغالة فيه بعرقي وحلالي. أحمد حاول يبعتلي رسائل من السجــ,,ـــــن مع محاميه عشان أسامحه أو أزور الولاد له، بس أنا رفضت تماماً وقطعت كل خيط يربطني بيه أو بالماضي البشع ده. أنا جيت أستأذنك وأقولك إني مسافرة أشتغل في المحافظة اللي فيها أهلي عشان أربي ولادي بعيد عن الفضايح… وأتمنى من قلبي إن ربنا يعوضك عن كل لحظة وجع اتسببت لكِ فيها.
نظرتُ إليها مطولاً. لم أعد أشعر تجاهها بكراهية أو غل، بل بنوع من الشفقة على امرأة استُغلت هي الأخرى في لعبة رجل مريض بالانتهازية والجشع. قلتُ لها بهدوء ووقار: — ربنا يهديكي ويهدي سرك وياخد بإيدك عشان ولادك يا نهى. الولاد مالهمش ذنب… اتعلمي من اللي حصل وابني لهم حياة نظيفة ومستقيمة. أنا نسيت الماضي، والصفحة اتطوت بالنسبة لي للأبد.
دموع خفيفة نزلت من عين نهى، وهزت رأسها بامتنان وقالت: — شكراً يا مريم… شكراً إنك علّمتيني يعني إيه ست قوية بجد. خرجت نهى وقفت الباب بهدوء خلفها. جلستُ على كرسيي، ونظرتُ من الشباك العريض للمكتب نحو الشارع والشمس المشرقة. شعرتُللحظة سلام داخلي عميقة لم أذقها طوال عشر سنوات. الخيانة والتزوير اللذان كانا كابوساً دمر حياتي في مكتب التأمين في ذلك اليوم، أصحبا السبب الأول في استرداد كرامتي، واكتشاف قوتي الحقيقية، والتخلص من سرطان كان ينهك عمري في الضلام.
لكن الفصل الأخير والنهائي من هذه القصة كان يتبقى فيه مشهد واحد فقط: زيارتي الأخيرة والمواجهة التي طلبتها إدارة السجــ,,ـــــن بناءً على طلب إلتماس أحمد قبل ترحيله النهائي، المشهد الذي سأوضع فيه النقطة الأخيرة تماماً على حرف هذه الحكاية. توجهتُ إلى مبنى السجــ,,ـــــن العمومي بناءً على طلب رسمي أُرسل لي عن طريق الأستاذ رفعت؛
أحمد كان قد قدم التماساً أخيراً للمحكمة لتقليل مدة العقوبة، وكان شرط قبول النظر في الالتماس هو حضور الطرف المجني عليه وإبداء الرأي النهائي أمام قاضي تنفيذ العقوبات. لم أذهب خائفة، ولا مترددة، بل ذهبتُ بقلب ثابت وروح حرة شُفيت تماماً من أوهام الماضي. داخل غرفة المواجهة الهادئة في مبنى الزيارات الرسمية، جلس أحمد خلف طاولة خشبية.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.